دور الفن والرموز الإبداعية في تعزيز الهوية الوطنية

أكد عدد من المختصين والفنانين أن الفن التشكيلي يلعب دوراً محورياً في تشكيل الوعي المجتمعي، وذلك عبر تصوير واقع الإنسان وقضاياه بأسلوب مؤثر يسهل فهمه. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرموز الإبداعية والألوان كوسيلة فعالة من أجل تعزيز الهوية الوطنية، مشيرين إلى أن الإبداع لم يعد مجرد ترف، بل هو ضرورة ملحة لبناء إنسان متوازن نفسياً وفكرياً. جاءت هذه التأكيدات تزامناً مع الاحتفاء بمناسبة اليوم العالمي للفن، حيث تتسلط الأضواء على أهمية توظيف الموروث الثقافي والعناصر البصرية المرتبطة بتاريخ الوطن لفتح حوار صادق مع الثقافات الأخرى.
الفن عبر التاريخ: جذور أصيلة تساهم في تعزيز الهوية الوطنية
يمتد السياق التاريخي للفنون في شبه الجزيرة العربية إلى آلاف السنين، حيث كانت النقوش الصخرية والزخارف التقليدية أولى وسائل التعبير الإنساني. ومع تطور المجتمعات، أصبح الفن التشكيلي المعاصر امتداداً لهذا الإرث العميق. ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للفن، الذي يوافق الخامس عشر من أبريل من كل عام تخليداً لذكرى ميلاد الفنان ليوناردو دا فينشي، ليؤكد على دور الفنون في نشر التسامح والسلام. وفي المملكة العربية السعودية، يتناغم هذا الحدث مع جهود حثيثة تسعى إلى ربط الأجيال الشابة بتاريخهم، حيث يُعد دمج التراث في الأعمال الفنية المعاصرة خطوة استراتيجية نحو تعزيز الهوية الوطنية وتقديمها للعالم بقالب حديث لا يتخلى عن أصالته.
التأثير الشامل للفنون: من المحلية إلى العالمية
لا يقتصر تأثير الحراك الفني على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية بالغة الأهمية. على الصعيد المحلي، يساهم الفن في توثيق الذاكرة الجمعية وتنمية الاقتصاد الإبداعي، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي جعلت من الثقافة والفنون ركيزة أساسية لتحسين جودة الحياة. إقليمياً، تفتح الفنون البصرية أبواباً للحوار الثقافي بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، مما يعزز من التفاهم المشترك. أما دولياً، فإن وصول الأعمال الفنية السعودية المليئة بالرموز الثقافية إلى المعارض العالمية يمثل قوة ناعمة تبرز الوجه الحضاري للمملكة، وتصحح الصور النمطية، وتخلق جسوراً من التواصل الإنساني العابر للغات والحدود.
الإبداع يمنح صوتاً لما لا يُقال
وفي حديثها لـ “اليوم”، أوضحت رئيسة قسم الفنون الإسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز، الأستاذة الدكتورة آمال عبدالقادر باصفار، أن الفن يعزز النقاش حول القضايا المهمة، ويعبر عن المشاعر الإنسانية، ويحافظ على الهوية والثقافة من خلال نقل التراث بين الأجيال. وبيّنت أن لممارسة الفنون وتذوقها أثراً نفسياً وتربوياً مهماً لدى الطفل في مرحلة رياض الأطفال، إذ تساعد على التعبير عن المشاعر، وتنمية الخيال والتفكير الإبداعي، وغرس قيم إيجابية كالصبر والتعاون.
من جانبها، أكدت الفنانة التشكيلية ميساء شلدان، أن الفن يسهم في تشكيل الوعي لأنه لا يشرح فقط، بل يُشعِر؛ فهو يحوّل التجربة الفردية إلى ذاكرة مشتركة، ويمنح الإنسان طريقة لقول ما لا يُقال. وأشارت إلى أن التحدي في العالم الرقمي يتمثل في سرعة الاستهلاك وفقدان العمق، بينما تكمن الفرصة في الوصول والتجريب، مؤكدة أن التوازن المطلوب هو أن ننتشر دون أن نفقد المعنى. وشددت على أن الفن أثر يبقى فينا ويجعلنا أكثر إنسانية واتصالاً بذواتنا وبالآخرين.
لغة بصرية تلامس المشاعر وتبني الوعي
بدورها، أوضحت الفنانة التشكيلية مريم الشملاوي، أن الفن لغة بصرية تلامس المشاعر، فبرموزه الإبداعية وألوانه وتجاربه غدا وسيلة لمناقشة القضايا بلا ضجيج كلمات. وبينت أن الفن هو مساحة آمنة لتعبير الفرد عن مشاعره ولتعزيز ثقته بنفسه وبخياله وبالحس الجمالي، فهو يربي إنساناً متوازناً نفسياً وقادراً على التواصل بإنسانية، كما يربي طفلاً ينمو بحس وجداني متذوق للجمال الروحي.
وأشارت إلى أن التقنية سلاح ذو حدين، وإذا تم توظيفها بأسلوب ذكي ستكون وسيلة لدعم الإبداع وفرصة للانتشار العالمي اللامحدود، وليست بديلاً عن الأصالة التي تنبع من التجربة الإنسانية العميقة. وشددت على ضرورة حماية الملكية الفكرية وسن قوانين لمواجهة سهولة النسخ، مؤكدة أن الفن في حياتنا هو ضرورة لا إضافة، وهو لغة جمال وسلام لبناء حاضر يفيض وعياً وإنسانية ومستقبلاً مثمراً.



