التراث والثقافة

تطوير جدة التاريخية: أيقونة سياحية عالمية برؤية 2030

في قلب عروس البحر الأحمر، تتألق جدة التاريخية المعروفة بـ«البلد»، حيث تتعانق الرواشين الخشبية العتيقة مع الأزقة الضيقة التي تحفظ ذاكرة المكان. يروي المرشدون السياحيون حكاية تحول لافت شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وذلك بعد إطلاق مشروع إعادة تأهيل المنطقة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030. ومع حلول ذكرى بيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، يؤكد الخبراء أن ما تشهده المنطقة اليوم يمثل نموذجاً حياً لنهج المملكة في الحفاظ على إرثها الحضاري وتحويله إلى قوة ثقافية وسياحية واقتصادية.

جذور جدة التاريخية: من ميناء للحجاج إلى تراث عالمي

لفهم القيمة الحقيقية لهذا المشروع، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للمنطقة. تعود الأهمية الاستراتيجية لمدينة جدة إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، عندما اتخذها ميناءً رئيسياً لمكة المكرمة في عام 647م. منذ ذلك الحين، لعبت جدة التاريخية دوراً محورياً كبوابة رئيسية لاستقبال الحجاج الميممين شطر الأراضي المقدسة بحراً، ومحطة تجارية حيوية تربط قارات العالم القديم. وقد تُوجت هذه الأهمية التاريخية والعمرانية بإدراج المنطقة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو في عام 2014، مما شكل محطة مفصلية لفتت أنظار العالم إلى هذا الكنز الحجازي الأصيل.

مشروع حضاري يعكس عمق التاريخ السعودي

يقول المستشار الهندسي والمرشد السياحي طلال بن عبدالله سمرقندي: “إن مشروع الحفاظ على المنطقة يعد أحد أبرز المشاريع الحضارية التي انطلقت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين”. ويؤكد أن المشروع يجسد وفاءً عميقاً للتاريخ السعودي وإيماناً بأهمية صون الإرث الثقافي للأجيال القادمة.

طلال عبدالله سمرقندي

وتغطي المنطقة مساحة تقارب 2.4 مليون متر مربع، وتضم نحو 650 مبنى تراثياً، إضافة إلى خمسة أسواق تاريخية عريقة و36 مسجداً تاريخياً يعود بعضها إلى بدايات العهد الإسلامي، فضلاً عن 16 رباطاً خيرياً كانت تؤوي العائلات المحتاجة والمسافرين. يستهدف البرنامج تحويل المنطقة إلى منارة ثقافية وفنية ووجهة تراثية عالمية مستدامة.

الأثر الاقتصادي والسياحي: أبعاد محلية ودولية

لا يقتصر تأثير هذا المشروع الضخم على الجانب الثقافي فحسب، بل يحمل أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد محلياً وإقليمياً ودولياً. على الصعيد المحلي، يخلق المشروع آلاف فرص العمل ويدعم رواد الأعمال والمجتمع المحلي من خلال الاستثمار في التراث. أما دولياً، فتشير التقديرات إلى أن المشروع سيحقق بحلول عام 2030 نتائج بارزة، منها استقطاب نحو 15 مليون زيارة سنوياً، والمساهمة بأكثر من 43 مليار ريال في الناتج المحلي، إلى جانب توفير نحو 40 ألف فرصة عمل، وتهيئة مساحات تجارية ضخمة وأكثر من 3000 غرفة فندقية تراثية، مما يعزز مكانة المملكة على خارطة السياحة العالمية.

إعادة ترميم المدينة لتصبح واجهة عالمية

من جهته، يوضح المرشد السياحي محمد قاري بخاري أن «البلد» ليست مجرد حي قديم، بل تمثل القلب التاريخي للمدينة ومحورها الاجتماعي والاقتصادي عبر القرون. ويشير إلى أن البضائع القادمة من شرق آسيا والهند كانت تمر عبر أسواقها قبل إعادة تصديرها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط.

175

محمد قاري بخاري

ويضيف أن برنامج التطوير الذي أُطلق عام 2021 بتوجيه من سمو ولي العهد، يهدف إلى إعادة إحياء المدينة بكاملها لتصبح واجهة سياحية وثقافية عالمية. ويشمل البرنامج ترميم مئات المباني التراثية التي يتجاوز عمر بعضها 400 إلى 500 عام، وتأهيل مساجد تاريخية تعود جذورها للقرون الإسلامية الأولى.

حفظ التراث العمراني الحجازي

أكدت المرشدة السياحية مروة الصعيدي أن مشروع إعادة التأهيل يمثل نقلة نوعية في الحفاظ على التراث العمراني الحجازي. وأشارت إلى أن الجولات السياحية تكشف عن انبهار الزوار من مختلف دول العالم بدقة أعمال الترميم والحرص على التفاصيل المعمارية الأصيلة، خصوصاً الرواشين الخشبية والزخارف التقليدية.

175

مروة الصعيدي

وأضافت أن المنطقة تحولت اليوم إلى وجهة نابضة بالحياة تحتضن الفعاليات الثقافية والفنية، مما يمنح الزائر تجربة سياحية متكاملة تجمع بين التاريخ والفنون، ويسهم في تمكين المرشدين من تقديم محتوى معرفي ثري.

متحف مفتوح لاستقبال الزوار

أشارت المرشدة السياحية بدور سمان إلى أن التوجيهات الكريمة لسمو ولي العهد ركزت على “الاستدامة الثقافية”، حيث يتم الحفاظ على الهوية العمرانية الحجازية الفريدة مع تحويل المنطقة إلى مركز جذب استثماري وسياحي.

175

بدور سمان

وبينت أن إعادة تأهيل البيوت القديمة جعلت من المنطقة “متحفاً مفتوحاً” يتنفس بالزوار، خصوصاً مع المشاريع الجديدة لإعادة استخدام البيوت التاريخية كفنادق ومطاعم ومقاهي. واختتمت قائلة: “نشعر كمرشدين بالفخر والامتنان؛ لأننا اليوم نملك منتجاً سياحياً عالمياً ينافس أعرق المدن التاريخية، بفضل القيادة الملهمة التي آمنت بأن تراثنا هو ثروتنا الحقيقية ونافذتنا التي نطل بها على العالم”.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى