استثمار مياه السيول كمورد مائي متجدد في السعودية

تشهد عدة مناطق في المملكة العربية السعودية خلال هذه الفترة هطول أمطار غزيرة أدت إلى جريان ملحوظ للأودية، مما يعيد تسليط الضوء على أهمية مياه السيول كمورد مائي متجدد. وفي ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، يبرز التساؤل حول كيفية الاستفادة الفعلية من هذه المياه، ودقة التقديرات الحالية مقارنة بما يحدث على أرض الواقع ميدانياً.
الجذور التاريخية لأساليب حصاد المياه في شبه الجزيرة العربية
تاريخياً، عانت شبه الجزيرة العربية من شح في الموارد المائية السطحية الدائمة نظراً لطبيعتها الصحراوية ومناخها الجاف. وقد دفع هذا التحدي الأجيال المتعاقبة إلى ابتكار طرق تقليدية لحصاد مياه الأمطار وبناء السدود البسيطة للحفاظ على كل قطرة ماء. وفي العصر الحديث، ومع التطور العمراني والنمو السكاني، تضاعفت الحاجة إلى تطوير هذه الأساليب القديمة وتحويلها إلى استراتيجيات وطنية شاملة. وفي هذا السياق، أكد الأستاذ المشارك في تخصص هندسة مصادر المياه بجامعة الملك سعود، الدكتور رائد الحربي، أن السيول ليست مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل تمثل مورداً مائياً متجدداً ذا قيمة تنموية عالية إذا ما أُحسن فهمه وإدارته، مشيراً إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في وجود السيول، بل في القدرة على قياسها وتحويلها إلى بيانات دقيقة قابلة للاستخدام في التخطيط.
دور مياه السيول في تجديد الموارد المائية الوطنية
وأوضح الدكتور الحربي أن الأمطار تُعد المصدر الرئيس لتجديد الموارد المائية المتجددة في المملكة. ورغم تذبذبها وتركزها في فترات قصيرة، فإنها تسهم في تشكيل السيول التي تجري في الأودية والشعاب. وأضاف أن مياه السيول تسهم في دعم الموارد المائية عبر مسارين رئيسيين: أولهما إعادة تغذية الخزانات الجوفية المتجددة من خلال تسرب جزء من المياه إلى باطن الأرض، وثانيهما حصادها عبر السدود ومنشآت تخزين مياه الأمطار. وبيّن أن التقديرات الهيدرولوجية تشير إلى أن متوسط كميات السيول السنوية في المملكة يبلغ نحو 8 مليارات متر مكعب، يمكن الاستفادة من نحو 60% منها، إلا أن هذه الأرقام تبقى تقديرية عامة ولا تعكس دائماً الواقع التفصيلي.
سد الفجوة بين التقديرات النظرية والقياسات الميدانية
وأشار الخبير المائي إلى وجود فجوة واضحة بين التقدير والقياس، موضحاً أن المشاهدات الميدانية الحالية من حيث قوة جريان السيول واتساعها توحي بكميات كبيرة من المياه، إلا أن غياب القياسات الحقلية المباشرة لمناسيب وسرعات التدفق يجعل من الصعب تحويل هذه المشاهدات إلى بيانات دقيقة. وأكد أن القياس الميداني يمثل الأساس العلمي لبناء النماذج الهيدرولوجية والهيدروليكية، والتي تُعد بدورها أداة رئيسية في فهم سلوك السيول وتقدير كمياتها بدقة، إضافة إلى استخدامها في تقييم فرص الحصاد المائي ودعم خطط التخطيط العمراني لتجنب المخاطر.
الأبعاد الاستراتيجية والتأثير الإقليمي لإدارة الموارد المائية
على المستوى المحلي والإقليمي، يحمل الاستثمار الأمثل في قطاع المياه أبعاداً استراتيجية عميقة. محلياً، يساهم ذلك في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تحقيق الأمن المائي والغذائي المستدام. وإقليمياً، تقدم المملكة نموذجاً رائداً للدول التي تعاني من ظروف مناخية مشابهة في كيفية إدارة الموارد الشحيحة. وأشار الدكتور الحربي إلى أن جزءاً من مياه السيول يُفقد نتيجة جريانها نحو المناطق الساحلية أو المناطق المفتوحة ذات معدلات التبخر المرتفعة، مما يجعل التخطيط المسبق ضرورة لتحويلها من تهديد محتمل إلى مورد داعم. وأكد أن الدولة أولت اهتماماً متزايداً بهذا الملف ضمن الاستراتيجية الوطنية للمياه، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة.
تكامل الجهود الوطنية نحو منظومة إنذار وقياس متطورة
كما نوه بأن برنامج استمطار السحب يمثل إحدى المبادرات المساندة لتعزيز الموارد المائية، إلا أن أي زيادة في كميات الهطول تفرض أهمية أكبر لتطوير منظومات القياس. وشدد على أهمية إنشاء منظومة وطنية متكاملة لرصد السيول تعتمد على القياس الحقلي، النمذجة، والإنذار المبكر، مع توحيد البيانات وإتاحتها للجهات البحثية والجامعات. هذا التكامل سيسهم بلا شك في رفع كفاءة التخطيط المائي، وتحويل السيول من تحدٍ موسمي إلى فرصة تنموية مستدامة تعزز من جودة الحياة وتدعم الاقتصاد الوطني.


