فن القط العسيري.. تراث سعودي عريق يزين جدران المنازل

يُعد القط العسيري أحد أبرز الفنون التقليدية العريقة التي تعكس الهوية الثقافية والجمالية لمنطقة عسير في المملكة العربية السعودية. يعتمد هذا الفن الفريد على تزيين جدران المنازل الداخلية بنقوش وزخارف هندسية بديعة تستوحي أبعادها ودلالاتها من الطبيعة المحيطة وألوانها الزاهية. وفي معاجم اللغة العربية، تعني كلمة “قط” خطاً أو نحتاً، وهو ما تترجمه أنامل المبدعات من نساء عسير اللواتي توارثن هذا الفن جيلاً بعد جيل، ليتحول من مجرد تزيين للمنازل البسيطة ومنازل الأثرياء قديماً إلى رمز ثقافي عالمي يروي قصة إبداع إنساني متوارث.
جذور تاريخية وأبعاد اجتماعية لفن القط العسيري
يمتد تاريخ القط العسيري إلى مئات السنين، حيث نشأ كفعل اجتماعي تشاركي تقوده النساء لتجميل المنازل، خاصة في المناسبات السعيدة والأعياد واستقبال الضيوف. كانت المرأة العسيرية، التي تُعرف بـ “القطاطة”، تستخدم مواد طبيعية بالكامل مستخلصة من صخور كلسية، وطينات ملونة، وعصارات نباتية محلية لصنع ألوانها الأساسية مثل الأحمر والأصفر والأزرق. يعكس هذا الفن التلاحم الاجتماعي؛ إذ كانت الجارات يجتمعن لمساعدة صاحبة البيت في تزيين جدرانه، مما يعزز أواصر الترابط والمحبة في المجتمع المحلي ويجعل من كل منزل لوحة فنية فريدة تعبر عن ذوق ساكنيه.
اعتراف دولي يضع الفن العسيري في صدارة الاهتمام العالمي
لم يعد هذا الفن محصوراً في جبال عسير، بل حظي بتقدير دولي واسع توج بتسجيله في عام 2017 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو. جاء هذا الإعلان التاريخي خلال الاجتماع الثاني عشر للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي في جزيرة “جيجو” بكوريا الجنوبية. يسهم هذا الاعتراف الدولي في حماية الفن من الاندثار، ويعزز من مكانة المملكة العربية السعودية كوجهة ثقافية غنية بالتراث الإنساني الفريد، مما يجذب السياح والمهتمين بالفنون الشعبية من مختلف أنحاء العالم لاستكشاف هذا الإرث البصري المذهل.
من جدران عسير إلى مبنى الأمم المتحدة بنيويورك
تجاوزت أصداء هذا الفن الحدود الجغرافية لتقدم رسالة سلام وثقافة للعالم؛ ففي أواخر عام 2015، عُرضت جدارية ضخمة لفن القط العسيري في مبنى الأمم المتحدة بنيويورك حملت اسم “منزل أمهاتنا”. بلغ طول الجدارية 18 متراً، ونفذتها 12 سيدة مبدعة من منطقة عسير بإشراف الفنان الدكتور أحمد ماطر والباحث علي مغاوي. لاقت الجدارية إعجاباً دولياً كبيراً من الدبلوماسيين والزوار، مما أكد على قدرة الفنون السعودية التقليدية على مد جسور التواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب وإبراز الهوية الوطنية في المحافل الدولية الكبرى.
الأنماط الهندسية والألوان: لغة بصرية فريدة
تتنوع الأنماط الزخرفية في هذا الفن بحسب الأقاليم الجغرافية، من السهل التهامي إلى مرتفعات السراة والهضاب الداخلية. وتعتبر الخطوط الأفقية والمنكسرة والمنحنية أساساً للتزيين، لما تحمله من دلالات السكون والاستقرار والحركة. كما ينقسم الفن إلى مفردات بصرية تصل إلى 10 أنواع رئيسية، منها: “البنات” الذي يرمز للأنثى، و”المحاريب” ذات الدلالة الدينية، و”الأرياش” المستوحاة من النباتات، بالإضافة إلى “الركون”، “البلسنة”، “الأمشاط”، و”الكف”. وقد برزت عبر التاريخ رائدات عظيمات خلدن هذا الفن، مثل فاطمة أبو قحاص -رحمها الله-، وجحاحة بنت بريدي، وشريفة بنت أحمد الألمعي.
الأثر الاقتصادي والسياحي المعاصر للهوية العسيرية
في الوقت الحاضر، تحول هذا الإرث الفني إلى رافد اقتصادي وسياحي هام لمنطقة عسير والمملكة بشكل عام. يُستغل الفن اليوم في تزيين الفنادق، والمنتجعات السياحية، والمصنوعات التقليدية كالفخاريات والملابس، مما يوفر فرص عمل مستدامة للأسر المنتجة والحرفيات. ومع رؤية السعودية 2030، يشهد هذا الفن دعماً حكومياً غير مسبوق عبر إقامة ورش العمل والمبادرات الفنية لضمان نقله للأجيال القادمة، ليبقى شاهداً حياً على روعة الهوية السعودية وأصالتها.



