التراث والثقافة

معهد ورث يحيي فن صناعة الأبواب النجدية بالقصيم

في البيوت النجدية القديمة، لم تكن الأبواب مجرد مداخل عادية للمنازل، بل كانت لوحات فنية تنبض بالحياة وتجسد الهوية الثقافية العريقة للمنطقة. واليوم، يعيد المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث) إحياء هذا التراث الأصيل من خلال فتح باب التسجيل في برنامج تلمذة متقدم مخصص لتعليم فنون النجارة وصناعة الأبواب النجدية في منطقة القصيم، بهدف تمكين جيل جديد من الحرفيين السعوديين من الحفاظ على هذا الإرث الفني الفريد وتطويره.

تاريخ عريق يرويه خشب الأثل والزخارف الهندسية

تتميز العمارة النجدية التقليدية بخصائص فريدة تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية والمناخية في وسط الجزيرة العربية. وكانت صناعة الأخشاب، وبخاصة الأبواب والنوافذ، تمثل ذروة الإبداع الحرفي الشعبي. فقد اعتمد الحرفيون الأوائل على موارد البيئة المحلية مثل أخشاب أشجار الأثل والنخيل، وقاموا بتحويلها إلى قطع فنية متينة تقاوم الزمن.

ولم تكن تلك الأبواب تخلو من الرموز الثقافية؛ إذ كانت تُزين بنقوش هندسية دقيقة تُحفر وتُلون بأصباغ طبيعية مستخلصة من النباتات والمعادن المحلية. هذه النقوش، التي تشمل المثلثات والدوائر والخطوط المتقاطعة، لم تكن مجرد زينة عابرة، بل كانت تحمل دلالات اجتماعية وترمز إلى الترحيب والكرم والاستقرار، مما جعل من كل باب قصة قائمة بذاتها تروي تفاصيل الحياة اليومية للأجداد.

تفاصيل برنامج تلمذة الأبواب النجدية في عنيزة

يُقام هذا البرنامج التدريبي النوعي في مقر معهد “وِرث” بمحافظة عنيزة التابعة لمنطقة القصيم، والتي تُعد أحد أهم مراكز الإشعاع الثقافي والحرفي في المملكة. ويقدم البرنامج تجربة تعليمية مكثفة وعملية تمتد على مدار 18 شهراً داخل ورش حرفية مجهزة بأحدث الأدوات والتقنيات المعاصرة، إلى جانب الأدوات التقليدية.

يتعلم المتدربون خلال هذه الفترة الطويلة أسرار النجارة التقليدية، وفنون النقش والزخرفة النجدية الأصيلة، بالإضافة إلى أساليب اختيار الأخشاب ومعالجتها لضمان استدامتها. ويشرف على التدريب نخبة من كبار الحرفيين والمختصين ذوي الخبرة الطويلة، مما يضمن نقل المعرفة الحرفية الدقيقة من جيل إلى جيل عبر أسلوب “التلمذة المباشرة” الذي يربط بين أصالة الماضي وتقنيات الحاضر.

أبعاد وطنية ودولية لصون الهوية الثقافية

تتجاوز أهمية هذا البرنامج حدود التدريب المهني التقليدي، لتصب مباشرة في مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى صون التراث الثقافي غير المادي وتنمية قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية. محلياً، يسهم البرنامج في خلق فرص عمل جديدة ومستدامة للشباب والشابات في مجالات الترميم، والتصميم الداخلي، وصناعة الهدايا التذكارية المستوحاة من التراث.

أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن إحياء هذه الحرف التقليدية يعزز من مكانة المملكة كوجهة ثقافية وسياحية عالمية تحتفي بجذورها التاريخية. إن الحفاظ على صناعة الأبواب النجدية يضمن بقاء هذا الفن حياً في المشروعات المعمارية الحديثة والفنادق التراثية والمتاحف، مما يتيح للزوار من مختلف أنحاء العالم التعرف على عمق الهوية السعودية وجماليات فنونها التقليدية التي لا تقدر بثمن.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى