علماء كاوست يطورون إنزيمات جديدة بهدف تحليل البلاستيك

يشكل التلوث البيئي أحد أكبر التحديات التي تواجه كوكب الأرض في العصر الحديث، حيث تتراكم ملايين الأطنان من المخلفات الصناعية يومياً. وفي طليعة هذه التحديات تأتي الحاجة الملحة إلى إيجاد طرق فعالة من أجل تحليل البلاستيك، وخاصة المواد الشائعة مثل البولي إيثيلين تيرفثالات (PET) التي تدخل في صناعة الزجاجات ومواد التغليف والمنسوجات. وفي هذا السياق العلمي البارز، نشرت مجلة نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications) دراسة حديثة ورائدة أجرتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، بالتعاون مع قسم العلوم البيولوجية في جامعة لوس أنديس في كولومبيا ومؤسسات بحثية دولية أخرى، تسلط الضوء على الإمكانات الواعدة للنظم البيئية في غابات المانغروف لاكتشاف إنزيمات قادرة على تفكيك هذه المواد المعقدة.
تاريخياً، بدأ الإنتاج الضخم للبلاستيك في منتصف القرن العشرين، وسرعان ما تحول إلى مادة لا غنى عنها في الحياة اليومية بفضل متانته وتكلفته المنخفضة. ومع ذلك، فإن هذه المتانة ذاتها جعلت من البلاستيك عدواً لدوداً للبيئة، حيث يستغرق تحلله الطبيعي مئات السنين. أدى هذا التراكم المستمر عبر العقود إلى تلوث المحيطات والتربة، مما دفع العلماء حول العالم للبحث عن حلول بيولوجية مستدامة، مثل الميكروبات والإنزيمات الطبيعية، لتسريع عملية التحلل دون ترك آثار جانبية ضارة.
بيئة غابات المانغروف كنز ميكروبي فريد
ركز الفريق البحثي في كاوست على دراسة تأثير التغيرات البيئية القاسية، مثل جفاف التربة، والتعرض المستمر لمياه البحر، ومستويات التلوث المختلفة، على المجتمعات الميكروبية التي تعيش في تربة المانغروف. وتُعد غابات المانغروف بيئات ذات تنوع ميكروبي استثنائي، تتشكل بفعل التغير المستمر والظروف القاسية، مما يجعلها نموذجاً فريداً ومثالياً لمثل هذه الدراسات العلمية المعقدة.
وأظهرت النتائج المذهلة للدراسة أن إضافة مخلفات زراعية إلى هذه التربة يعزز بشكل كبير من وفرة الإنزيمات القادرة على تحليل مركبات البولي إيثيلين تيرفثالات ومكونات التغليف. كما نجح الباحثون في تحديد فئة غير معروفة سابقاً من الإنزيمات التي قد تفتح آفاقاً جديدة لتفكيك المواد في البيئات الصناعية، لا سيما في ظروف الملوحة الشديدة التي عادة ما تَحُدّ من كفاءة العديد من الإنزيمات التقليدية المستخدمة في معالجة النفايات.
الأثر المتوقع لتقنيات تحليل البلاستيك محلياً وعالمياً
على المستوى المحلي والإقليمي، تكتسب هذه الدراسة أهمية بالغة للمملكة العربية السعودية. فغابات المانغروف تنتشر بكثرة على امتداد سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، وتؤدي دوراً حيوياً في حماية السواحل، ودعم التنوع الحيوي، وعزل الكربون وتخزينه. إن استثمار هذه الموارد الطبيعية لاكتشاف حلول بيئية يتماشى مع المبادرات الوطنية الخضراء الرامية إلى حماية البيئة البحرية وتقليل الانبعاثات والنفايات.
أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه الإنزيمات في تحليل البلاستيك تحت ظروف صناعية قاسية يمثل نقلة نوعية في إدارة النفايات العالمية. يمكن للشركات الصناعية الكبرى تبني هذه التقنيات الحيوية لمعالجة ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية قبل وصولها إلى المحيطات، مما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ويقلل من الخسائر الاقتصادية الفادحة المرتبطة بالتلوث البلاستيكي.
آفاق مستقبلية للابتكار البيئي
اعتمد الفريق في بحثه على تقنيات متطورة تشمل علم الميتاجينوميات (دراسة المادة الوراثية المستخرجة مباشرة من العينات البيئية)، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البنية ثلاثية الأبعاد، لدراسة خصائص الإنزيمات المكتشفة حديثاً وتقييم أدائها المحتمل. وفي هذا الصدد، أوضح دييغو خافيير خيمينيز أفيلا، الباحث في كاوست وقائد الدراسة، أن الهدف هو فهم كيفية تكيّف المجتمعات الميكروبية في الطبيعة مع الظروف المتغيرة، وكيف يمكن أن يقود ذلك إلى اكتشاف ميكروبات وبروتينات جديدة ذات قيمة عالية.
من جانبه، أكد البروفيسور ألكسندر روسادو، أستاذ العلوم البيولوجية في كاوست وأحد المشاركين في الدراسة، أن غابات المانغروف تُعد من النظم البيئية الديناميكية التي تتكيف فيها الكائنات الدقيقة باستمرار. وأشار إلى أن فهم هذه النظم على المستوى المجهري يمكّن الباحثين من تقييم استجابتها للضغوط البيئية، مؤكداً أن هذه النتائج تمثل خطوة أولية ضمن مسار بحثي أوسع لاستكشاف الإمكانات التطبيقية لهذه الإنزيمات على نطاق تجاري وصناعي أوسع.



