التراث والثقافة

الجناح السعودي في بينالي البندقية للفنون: إحياء التراث

تستعد المملكة العربية السعودية لتسجيل حضور ثقافي بارز من خلال افتتاح الجناح الوطني السعودي المشارك في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية للفنون. وتأتي هذه المشاركة لتعكس التزام المملكة العميق بإبراز الفن المعاصر والتراث الإنساني على الساحة العالمية، حيث تقدم الفنانة السعودية المبدعة دانة عوراني عملاً فنياً استثنائياً يحمل عنوان «عمى ألا تجف دموعك، يا من بكى على الأطلال». ويحظى هذا العمل بإشراف القيّم الفني أنطونيا كارفر، وبمشاركة القيّم الفني المساعد حفصة الخضيري، ليقدم للعالم رسالة بصرية تتجاوز الحدود الجغرافية.

تاريخ عريق ومسرح عالمي للإبداع في بينالي البندقية للفنون

لفهم حجم هذه المشاركة، يجب النظر إلى السياق التاريخي لهذا الحدث العالمي. يُعد بينالي البندقية للفنون، الذي تأسس في عام 1895، واحداً من أعرق وأهم المعارض الفنية على مستوى العالم. فهو يمثل منصة دولية رائدة تلتقي فيها الثقافات وتتلاقح الأفكار، حيث تتسابق الدول لتقديم أفضل ما لديها من إبداعات فنية تعكس هويتها ورؤيتها المعاصرة. وتأتي المشاركة السعودية الخامسة في هذا المحفل العريق لتؤكد على الحضور المتنامي للمملكة في المشهد الثقافي الدولي، ولتبرز قدرة الفنان السعودي على محاورة العالم بلغة الفن البصري المبتكر الذي يستمد جذوره من تاريخ طويل من الحضارة.

تفاصيل العمل الفني: رسالة من الطين والذاكرة

يستند العمل الفني الذي تقدمه دانة عوراني إلى ممارسات الفنون الهندسية وتقاليد الفسيفساء العريقة. وهو يأتي كنتيجة لبحث معمق وشامل شمل عدداً من المواقع التاريخية في العالم العربي التي تعرضت لأضرار بالغة خلال السنوات الأخيرة. يستحضر العمل 23 موقعاً تاريخياً حظيت باعتراف جهات دولية معنية بصون التراث الإنساني. ويمتد هذا الإبداع على كامل أرضية الجناح، مقدماً نماذج مستوحاة من أنماط فسيفسائية تعكس امتداداً ثقافياً مشتركاً عبر فترات تاريخية متعاقبة.

وقد أُنجز هذا العمل الضخم عبر ما يقارب 30 ألف ساعة عمل حرفي، ضمن إطار مؤسسي يقوم على المشاركة في الإنتاج ونقل المعارف الحرفية. تعاونت الفنانة مع 32 حرفياً في استوديو خاص خارج مدينة الرياض، حيث تم استخدام أربعة أنواع مختلفة من الطين المستخرج من مناطق متنوعة في المملكة. وأسفر هذا الجهد الجماعي عن إنتاج أكثر من 29 ألف طوبة طينية مجففة بالشمس، تم تجميعها بدقة متناهية دون استخدام أي مواد لاصقة، مما يعكس براعة التنفيذ والارتباط العميق بالأرض والمواد الطبيعية.

الأثر الثقافي وتأثير المشاركة محلياً ودولياً

تحمل هذه المشاركة أهمية بالغة وتأثيراً متعدد الأبعاد. على المستوى المحلي، تسهم في دعم المشهد الفني في المملكة وتمكين الفنانين والحرفيين السعوديين، مما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز الاقتصاد الإبداعي وتطوير قطاع الثقافة. أما على الصعيد الإقليمي، فإن العمل يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على التراث العربي المشترك وحمايته من الاندثار. ودولياً، يرسخ الجناح مكانة السعودية كدولة راعية للثقافة والفنون، قادرة على إثراء الحوار العالمي حول قضايا الذاكرة والهوية وصون التراث الإنساني.

رؤية مؤسسية لدعم الفنون البصرية

وفي هذا السياق، أكدت الرئيس التنفيذي لهيئة الفنون البصرية، دينا أمين، أن الجناح السعودي يمثل منصة حيوية لأبرز الأصوات الفنية المعاصرة، ويعكس بوضوح الجهود المستمرة لدعم المشهد الفني في المملكة على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية. من جهتها، أوضحت الفنانة دانة عوراني أن عملها يهدف إلى تسليط الضوء على المواقع التاريخية بوصفها حوامل للذاكرة والهوية، مؤكدة أن التراث الثقافي المشترك يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن صونه يُعد مسؤولية إنسانية جماعية تقع على عاتق الجميع.

الجدير بالذكر أن هذه المشاركة المتميزة للجناح الوطني السعودي في المعرض الدولي، ستُقام فعالياتها خلال الفترة الممتدة من 9 مايو إلى 22 نوفمبر 2026 في مجمّع الأرسينالي التاريخي، لتكون محطة جديدة في مسيرة الفن السعودي نحو العالمية.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى