إحصاءات السمنة في السعودية 2025: أرقام صادمة وحلول وقائية

كشفت البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة السمنة، عن أرقام تستدعي الوقوف عندها بجدية، حيث بلغت نسبة انتشار السمنة بين البالغين في المملكة العربية السعودية 23,1%، في حين سجلت النسبة بين الأطفال دون سن الخامسة عشرة نحو 14,6%. وتأتي هذه الإحصاءات لتضع المجتمع أمام مسؤولية مشتركة لتعزيز أنماط الحياة الصحية، وسط دعوات طبية مكثفة لتبني النشاط البدني والغذاء المتوازن كخط دفاع أول.
الجذور التاريخية وتغير نمط الحياة
لم يكن ارتفاع معدلات السمنة في المنطقة وليد اللحظة، بل هو نتاج تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة شهدتها المملكة ودول الخليج خلال العقود الماضية. فمع الطفرة الاقتصادية والتوسع العمراني، حدث تغير جذري في نمط الحياة اليومي، حيث قل الاعتماد على الحركة والمشي لصالح التنقل بالسيارات، وتغيرت العادات الغذائية من المأكولات التقليدية الغنية بالألياف إلى الوجبات السريعة والأطعمة المصنعة عالية السعرات الحرارية. هذه البيئة التي يصفها الخبراء بـ "البيئة المعززة للسمنة" ساهمت بشكل مباشر في تفاقم الظاهرة لتشمل فئات عمرية أصغر، مما يجعل العودة إلى الأنماط الصحية ضرورة ملحة وليست ترفاً.
نظام غذائي متوازن ونشاط بدني
وفي مواجهة هذه التحديات، شدد مختصون على ضرورة العودة إلى الأساسيات الصحية، عبر تبني نظام غذائي متوازن يعتمد بشكل أساسي على الخضروات والفواكه والبروتينات الصحية، لبناء أجساد قوية قادرة على مقاومة الأمراض المزمنة. وتبرز الأهمية القصوى للالتزام بممارسة النشاط البدني بانتظام، حيث يُعد المشي لمدة ثلاثين دقيقة يومياً روتيناً حياتياً بسيطاً ولكنه فعال للغاية، إذ يحمي الملايين من مضاعفات زيادة الوزن وتراكم الدهون، ويعد حجر الزاوية في أي خطة وقائية.
التداعيات الاقتصادية والصحية
تتجاوز مخاطر السمنة البعد الشخصي لتشكل عبئاً ثقيلاً على المنظومة الصحية والاقتصاد الوطني. فالسمنة تعد البوابة الرئيسية للعديد من الأمراض المزمنة مثل السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والشرايين، مما يستنزف موارد الرعاية الصحية. ومن هنا، تتقاطع جهود مكافحة السمنة مع مستهدفات "رؤية المملكة 2030" وبرنامج جودة الحياة، الذي يسعى لرفع نسبة ممارسي الرياضة في المجتمع وتقليل الأعباء العلاجية من خلال تعزيز الطب الوقائي ونشر ثقافة الرياضة المجتمعية.
رؤية طبية: السمنة مرض بيولوجي معقد
وفي سياق متصل، أكد مختصون لـ "اليوم" أن التعامل مع السمنة يتطلب تغييراً في المفاهيم. وأوضحت استشارية التغذية الإكلينيكية الدكتورة شوق العشملي، أن السمنة مرض مزمن يرتبط بخلل في تنظيم الطاقة ويعتبر مرضاً التهابياً يؤثر في معظم وظائف الجسم. وأشارت إلى أن التغيرات البيئية الحالية، مثل زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات المحلاة، ترافقت مع قلة النشاط البدني والتوتر المزمن لتخلق تحدياً صحياً كبيراً.
من جانبه، أوضح الدكتور عصام سالم باتياه، استشاري جراحة السمنة والمناظير المتقدمة بمستشفى النور التخصصي بمكة المكرمة، أن خطورة السمنة تكمن في مضاعفاتها طويلة الأمد وتأثيرها السلبي على جودة الحياة. ودعا إلى بناء بيئة مجتمعية داعمة تبدأ بتسهيل الوصول للغذاء الصحي وتفعيل برامج النشاط الرياضي في المدارس وأماكن العمل.
خيارات العلاج والدعم النفسي
واتفق الدكتور فاضل الزهراني، استشاري جراحة السمنة والمدير التنفيذي لمستشفى النور التخصصي، مع زملائه مؤكداً أن السمنة ليست مجرد ضعف إرادة، بل مرض له جذور بيولوجية وسلوكية. وأشار إلى أن العلاج الحديث يعتمد على خطة متدرجة تبدأ بتعديل السلوك ونمط الحياة، مروراً بالعلاج الدوائي، ووصولاً إلى التدخلات الجراحية للحالات المتقدمة. واختتم الخبراء حديثهم بالتأكيد على أهمية الدعم النفسي والأسري للمريض، واستبدال لغة اللوم بالمساندة والتشجيع لضمان استدامة النتائج الصحية وتحسين جودة الحياة على المدى الطويل.



