زيادة إنتاج الأسلحة: تحدي حلف الناتو الأكبر في قمة أنقرة

بعد مرور عام كامل على التعهد التاريخي الذي قطعته دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهي برفع وتيرة الإنفاق الدفاعي، تترقب العواصم الغربية قمة أنقرة المقبلة التي تضع الحلف أمام اختبار حقيقي يتمثل في زيادة إنتاج الأسلحة وتحويل التدفقات المالية إلى قوة نارية فعلية على أرض الواقع. وتأتي هذه القمة في وقت حساس للغاية تشهد فيه الساحة الدولية تغيرات جيوسياسية متسارعة تفرض على الحلفاء تسريع وتيرة التصنيع العسكري لمواجهة التهديدات الأمنية الراهنة.
سياق تاريخي: من الحرب الباردة إلى صراعات القرن الحادي والعشرين
تاريخياً، تأسس حلف الناتو في عام 1949 كأداة للردع الجماعي خلال حقبة الحرب الباردة. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي، تراجعت ميزانيات الدفاع الأوروبية بشكل ملحوظ، وهو ما عُرف بـ “عائد السلام”. إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 أعاد خلط الأوراق بالكامل، منبهاً القارة العجوز إلى ضرورة استعادة جاهزيتها القتالية. ولم تعد المسألة تقتصر على رصد الميزانيات؛ بل أصبحت تكمن في كيفية تفعيل هذه الميزانيات وتوجيهها نحو زيادة إنتاج الأسلحة لمواجهة حرب استنزاف طويلة الأمد لم تكن الجيوش الأوروبية مستعدة لها لوجستياً.
معضلة تحويل الأموال إلى قوة نارية جاهزة
على الرغم من ارتفاع الميزانيات الدفاعية في أوروبا وكندا بمقدار 90 مليار دولار خلال العام الماضي، إلا أن الأمين العام للحلف، مارك روته، أكد بوضوح أن “السيولة النقدية جوهرية، لكن لا يمكن وقف صاروخ أو دبابة بدولار أو بيورو”. وشدد روته على ضرورة تحويل هذه الأموال إلى قدرات قتالية جاهزة وبأسرع وقت ممكن. وفي هذا السياق، تبرز قمة أنقرة كمنصة حيوية لإبرام صفقات بمليارات الدولارات عبر منتدى صناعي دفاعي يُعقد على هامش القمة، بهدف التغلب على عقبات سلاسل الإمداد ونقص المواد الخام.
الأهمية الاستراتيجية لخطط الناتو في زيادة إنتاج الأسلحة وتأثيرها الدولي
تتجاوز أهمية قمة أنقرة البعد العسكري المباشر لتلقي بظلالها على التوازنات السياسية الدولية والإقليمية. تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية والحد من اعتمادها شبه الكامل على واشنطن، لا سيما في ظل الضغوط المستمرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يطالب الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤولياتهم المالية والدفاعية بشكل كامل. ودولياً، يمثل نجاح الناتو في زيادة إنتاج الأسلحة رسالة ردع قوية لروسيا والصين، ويؤكد قدرة المعسكر الغربي على الحفاظ على تفوقه التكنولوجي والعسكري في مواجهة التحالفات الناشئة.
عقبات هيكلية وتجزئة السوق الدفاعية الأوروبية
من جانبه، أشار مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في جمع الأموال بل في إنفاقها بفعالية للتفوق على روسيا في الإنتاج والابتكار. وتواجه الجهود الأوروبية معضلة التجزئة؛ حيث يضم الاتحاد الأوروبي 27 سوقاً دفاعية منفصلة تحكمها قواعد وطنية متباينة. هذه التجزئة تزيد من التكاليف وتمنع الشركات الصغيرة والمتوسطة من الابتكار. ورغم أن كبار المصنعين بدؤوا بالفعل في الاستثمار لتوسيع قدراتهم الإنتاجية بعد عقود من الركود، إلا أن غياب سوق دفاعية موحدة يظل العقبة الأساسية أمام تحقيق قفزة نوعية في التصنيع العسكري المشترك.



