مخاطر حرب الشرق الأوسط على هجرة النسور المصرية

في مثل هذا الوقت من كل عام، تترقب الأوساط البيئية وعشاق الحياة البرية هجرة النسور المصرية، وهي رحلة ملحمية تقطعها هذه الطيور الجارحة المهددة بالانقراض من مناطق قضاء فصل الشتاء في القارة الإفريقية عائدةً إلى مواطن تعشيشها في ألبانيا ودول البلقان. ولكن في هذا العام، دقت نواقيس الخطر البيئي؛ إذ لم يُرصد سوى زوج واحد فقط من هذه الطيور في الأراضي الألبانية. وقد عزا علماء الطيور والخبراء البيئيون هذا التراجع المخيف إلى تصاعد وتيرة النزاعات المسلحة والحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، والتي ألقت بظلالها القاتمة على مسارات الطيور المهاجرة.
الأهمية التاريخية والبيئية لمسارات هجرة النسور المصرية
تُعد هجرة النسور المصرية (التي تُعرف علمياً باسم Neophron percnopterus) واحدة من أهم الظواهر الطبيعية التي تربط بين قارات العالم القديم. تاريخياً، اتخذت هذه الطيور، التي تُعد أصغر أنواع النسور الأوروبية بطول يتراوح بين 60 و75 سنتيمتراً وتتميز برأسها الأصفر وريشها الأبيض ذي الحواف السوداء، من سماء الشرق الأوسط معبراً آمناً وجسراً حيوياً يربط بين إفريقيا وأوروبا. تقطع هذه الطيور مسافة تقارب 5000 كيلومتر مرتين سنوياً خلال فصلي الخريف والربيع. على مر العصور، حافظت هذه النسور على التوازن البيئي من خلال التخلص من الجيف والنفايات العضوية، مما جعلها تحظى بمكانة خاصة حتى في الحضارات القديمة، كالحضارة الفرعونية التي اتخذتها رمزاً للأمومة والحماية.
عقبات تقليدية وتحديات مستحدثة في سماء النزاعات
لطالما واجهت هذه الطيور الجارحة تحديات جمة على طول مسار هجرتها الطويل. فمن التسمم العرضي بالمواد الكيميائية الزراعية، إلى الصيد الجائر غير القانوني، وصولاً إلى خطر الصعق بالتيار الكهربائي عند وقوفها على خطوط التوتر العالي. غير أن هذا العام شهد إضافة عقبة جديدة ومميتة تتمثل في عبورها فوق مناطق تشهد نزاعات عسكرية عنيفة للوصول إلى مناطق تكاثرها في البلقان.
وفي هذا السياق، يؤكد نيكولاي بيتكوف، المسؤول في الجمعية البلغارية لحماية الطيور، أن ‘الحرب تفاقم المخاطر القائمة أصلاً على طول مسار هجرة هذا النوع من الطيور’. ويُذكر أن أعداد هذا النسر في دول البلقان كانت تقتصر على نحو خمسين زوجاً فقط خلال فترات معينة من السنة، مما يجعل أي فقدان إضافي بمثابة كارثة حقيقية تهدد بقاء النوع بأكمله.
التداعيات الإقليمية والدولية للحرب على التنوع البيولوجي
لا تقتصر أضرار النزاعات المسلحة على الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل تمتد لتشمل تدميراً ممنهجاً للأنظمة البيئية الإقليمية والدولية. يوضح عالم الطيور في المنظمة الألبانية لحماية البيئة الطبيعية وحفظها، جمال خيري، أن ‘الضربات الجوية لا تضر بالنسور المصرية فحسب، بل بعدد آخر من الطيور المهاجرة’. كما أن الانفجارات المتتالية تدمر مواقع الاستراحة الحيوية والموائل الطبيعية التي تلجأ إليها الطيور لالتقاط أنفاسها على طول مسارات هجرتها.
إن الشرق الأوسط يُعد ممراً أساسياً وعنق زجاجة عالمي لهجرة ملايين الطيور سنوياً. وبالتالي، فإن التأثير المتوقع لهذه الحرب يتجاوز الحدود المحلية ليصبح أزمة دولية تثير قلق المنظمات البيئية العالمية. فالتأثير الكبير للنزاعات على هذا النوع، الذي تتناقص أعداده بسرعة والمُدرج ضمن القائمة الحمراء للأنواع المُهددة بالانقراض التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، ينذر بخلل في التوازن البيئي الإقليمي، مما يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لحماية مسارات الهجرة وتجنيب الحياة البرية ويلات الحروب.



