أخبار السعودية

ابتكار نظام نانوي لإنتاج الأدوية داخل الجسم | كاوست

نجح فريق من العلماء والباحثين في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في تحقيق إنجاز طبي وعلمي غير مسبوق، يتمثل في ابتكار نظام نانوي لإنتاج الأدوية مباشرة داخل الخلايا الحية. هذا الابتكار الدقيق يعتمد على إدخال ستة بروتينات متكاملة إلى داخل الخلية، لتعمل معاً كـ “مصنع حيوي” مصغر. وقد تمكن هذا النظام من إنتاج مركب “الفيولاسين” (Violacein)، وهو مركب طبيعي واعد يخضع لدراسات مكثفة لاستخدامه في تطبيقات علاجية مستقبلية.

أهمية ابتكار نظام نانوي لإنتاج الأدوية في الطب الحديث

على مر العقود الماضية، واجه الطب الحديث تحديات كبيرة في كيفية إيصال العلاجات الفعالة إلى الأماكن المصابة في الجسم دون الإضرار بالأنسجة السليمة. تاريخياً، كانت العلاجات التقليدية تعتمد على توزيع الدواء في كامل الجسم، مما يؤدي إلى آثار جانبية قاسية. ومع ظهور تقنيات النانو، بدأ العلماء في تصميم نواقل دقيقة للأدوية، إلا أن التحدي الأكبر كان يكمن في إيصال مجموعة من البروتينات العلاجية لتعمل بتناسق داخل الخلية. وهنا تبرز أهمية هذا الابتكار، حيث يمثل قفزة نوعية من مجرد “نقل الدواء” إلى “تصنيع الدواء” في موقع المرض نفسه، مما يحد بشكل كبير من التأثيرات الجانبية.

تقنية الأطر المعدنية العضوية: العُضيات الخلوية الاصطناعية

لتحقيق هذا الإنجاز، قام الباحثون بتغليف البروتينات الستة داخل جسيمات إسفنجية متناهية الصغر تُعرف باسم “الأطر المعدنية العضوية” (MOFs). وقد وصف الفريق هذه البُنى الهندسية الدقيقة بـ “العُضيات الخلوية الاصطناعية”، حيث تحاكي الوظائف الحيوية الأساسية داخل الخلايا. وأوضحت البروفيسورة نيفين خشاب، أستاذة العلوم الكيميائية في كاوست، أن استخدام الأطر التقليدية أدى في البداية إلى فقدان البروتينات لنشاطها. ولكن من خلال تطوير إطار أكثر مسامية يشبه الإسفنج، تمكن الفريق من توفير البيئة المثالية لحماية البروتينات والسماح لها بالعمل معاً لتحويل حمض أميني بسيط إلى مركب الفيولاسين.

تجاوز التحديات البيولوجية المعقدة

وأشار البروفيسور رايك غرونبرغ، كبير علماء الأبحاث في كاوست، إلى أن إيصال بروتين واحد إلى داخل الخلايا يُعد تحدياً كبيراً بحد ذاته، ولذلك نادراً ما يحاول الباحثون العمل على أكثر من بروتينين معاً. وأكد أن إثبات إمكانية إدخال مجموعة بروتينات تعمل كنظام متكامل داخل الخلايا البشرية لتؤدي وظيفة حيوية كاملة، يفتح الباب أمام أساليب علاجية جديدة كلياً. من جانبه، أضاف البروفيسور ستيفان أرولد أن هذا العمل يجمع بين التقدم في علوم المواد وعلم الأحياء لمعالجة مشكلة معقدة عجز كل مجال عن حلها بمفرده.

الآفاق المستقبلية والتأثير الشامل للابتكار

لا يقتصر تأثير هذا البحث على الجدران المختبرية، بل يمتد ليشمل أبعاداً استراتيجية واسعة. على الصعيد المحلي، يعكس هذا الإنجاز الدور المتنامي الذي تؤديه كاوست في تطوير علوم الرعاية الصحية والهندسة الحيوية، مما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز الابتكار وتوطين التقنيات الطبية المتقدمة. وإقليمياً، يرسخ هذا التطور مكانة منطقة الشرق الأوسط كمركز صاعد للأبحاث البيولوجية المعقدة. أما على المستوى الدولي، فإن نجاح هذا النموذج الأولي يمهد الطريق لجيل جديد من العلاجات المبرمجة والقابلة للتكيف، والتي قد تُحدث ثورة في طرق علاج الأمراض المستعصية مثل السرطان والأمراض الوراثية. ومع استمرار الأبحاث لدراسة أداء هذا النظام في النماذج الحيوانية، يقترب العالم خطوة إضافية نحو مستقبل يُصنع فيه الدواء داخل جسم الإنسان بدقة متناهية.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى