هيئة الزكاة والضريبة والجمارك تنفذ 60 ألف جولة تفتيشية

في إطار سعيها المستمر لضبط الأسواق وضمان الشفافية التجارية، أعلنت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك عن تنفيذ أكثر من 60 ألف زيارة تفتيشية خلال الربع الأول من عام 2026م. وقد شملت هذه الجولات الرقابية المكثفة مختلف الأسواق والمحال التجارية في جميع مناطق ومدن المملكة العربية السعودية، وذلك بالتعاون الوثيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة لضمان تطبيق الأنظمة بحزم وعدالة.
التطور التاريخي للمنظومة الضريبية في السعودية
لم تكن هذه الجهود الرقابية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسياق تاريخي من الإصلاحات الاقتصادية الجذرية التي شهدتها المملكة ضمن رؤية 2030. فمنذ تطبيق ضريبة القيمة المضافة في عام 2018، سعت الحكومة السعودية إلى هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية. وتلا ذلك إطلاق مشروع الفوترة الإلكترونية (فاتورة) بمراحله المتعددة، والذي شكل نقلة نوعية في رقمنة الاقتصاد ومكافحة التستر التجاري. هذه التحولات تطلبت بناء جهاز رقابي قوي، وهو ما تجسد في دمج الهيئة العامة للزكاة والدخل مع الهيئة العامة للجمارك لتأسيس كيان موحد قادر على حماية الاقتصاد الوطني بكفاءة عالية.
أبرز القطاعات المستهدفة والمخالفات المرصودة
أوضح المتحدث الرسمي للهيئة، حمود الحربي، أن الزيارات الميدانية التي نفذتها الفرق الرقابية والتفتيشية ركزت على عدد من القطاعات التجارية الحيوية، من أبرزها: قطاعات التجزئة، والتبغ، وأنشطة الخدمات العامة. وتأتي هذه الاستهدافات بناءً على دراسات وتحليلات دقيقة للمخاطر الضريبية في السوق المحلي.
وفيما يخص المخالفات، أفاد الحربي بأن أبرز التجاوزات التي رصدتها الفرق الرقابية تمثلت في عدم وجود الأختام الضريبية على المنتجات المشمولة، وتحصيل ضريبة أعلى أو أقل من المستحق نظاماً. إضافة إلى ذلك، برزت مخالفة عدم إصدار الفاتورة الضريبية الإلكترونية، وهي مخالفة جوهرية تؤثر بشكل مباشر على دقة الإقرارات الضريبية وتعيق جهود التحول الرقمي المالي.
الأثر الاقتصادي لجهود هيئة الزكاة والضريبة والجمارك
تحمل هذه الجولات التفتيشية التي تقوم بها هيئة الزكاة والضريبة والجمارك أهمية كبرى وتأثيراً متعدد الأبعاد. على الصعيد المحلي، تساهم هذه الإجراءات في تحقيق العدالة الضريبية بين المكلفين من قطاع الأعمال، مما يضمن بيئة تنافسية عادلة خالية من الممارسات غير المشروعة ويحد بشكل كبير من حجم الاقتصاد الخفي.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن صرامة وكفاءة النظام الضريبي السعودي تجعل من المملكة نموذجاً يُحتذى به بين دول مجلس التعاون الخليجي في تطبيق السياسات المالية الحديثة. ودولياً، يعزز هذا الالتزام الرقابي من مكانة المملكة في المؤشرات الاقتصادية العالمية، مثل مؤشرات الشفافية وسهولة ممارسة الأعمال، حيث يبحث المستثمر الأجنبي دائماً عن أسواق تتمتع بأنظمة واضحة ورقابة عادلة تحمي حقوقه وتمنع التلاعب.
دور المجتمع والمكافآت التشجيعية للمبلغين
إيماناً بأهمية الشراكة المجتمعية، لم تقتصر الجهود على العمل الميداني للفرق الرقابية فحسب، بل دعت الهيئة جميع المستهلكين إلى ممارسة دورهم الإيجابي من خلال الإبلاغ عن أي منشأة يُرصد لديها أي من المخالفات الضريبية. ووفرت الهيئة قنوات تواصل سهلة وآمنة عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، أو من خلال تطبيق زاتكا (ZATCA) المخصص للهواتف الذكية.
ولتحفيز هذا الدور المجتمعي، تُقدم الهيئة – وفق ضوابط محددة – مكافآت مالية تشجيعية للمُبلغين عن المخالفات الضريبية. وتصل قيمة هذه المكافأة إلى 2.5% من إجمالي قيمة المخالفات والغرامات المحصلة، بحد أقصى يصل إلى مليون ريال سعودي، أو 1000 ريال كحد أدنى. هذه المبادرة لا تساهم فقط في كشف المخالفات، بل تنشر ثقافة الوعي الضريبي بين أفراد المجتمع، وتجعل من كل مواطن ومقيم شريكاً فاعلاً في حماية الاقتصاد الوطني.



