الصحة العالمية: 40% من عمليات التبرع بالدم تتركز بالدول الغنية

حذرت منظمة الصحة العالمية من وجود تفاوت حاد وغير عادل في التوزيع العالمي لإمدادات الدم المأمونة، مشيرة إلى أن عمليات التبرع بالدم تتركز بشكل كبير في الدول ذات الدخل المرتفع. وشددت المنظمة على الأهمية البالغة لتعزيز آليات التبرع الطوعي والمنتظم بالدم، لا سيما في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة وحالات طوارئ إنسانية مستمرة في إقليم شرق المتوسط، وذلك لضمان إنقاذ حياة المرضى والمصابين وتلبية الاحتياجات الطبية المتزايدة.
تاريخ التبرع بالدم والجهود الدولية لتأمين الإمدادات
منذ عقود طويلة، يمثل نقل الدم ركيزة أساسية في الطب الحديث والتدخلات الجراحية الطارئة. وتعود الجهود الدولية لتنظيم هذه العملية إلى منتصف القرن العشرين، عندما بدأت منظمة الصحة العالمية في وضع معايير صارمة لضمان مأمونية الدم ونقله بأمان. ومع ذلك، لا تزال الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية تشكل تحدياً تاريخياً؛ حيث تعتمد الدول الغنية على شبكات متطورة من المتبرعين الطوعيين والأنظمة الرقابية المتقدمة، في حين تعاني الدول منخفضة ومتوسطة الدخل من نقص حاد في البنية التحتية اللازمة لجمع وحفظ وتوزيع الدم بشكل آمن ومستدام.
أرقام صادمة تكشف فجوة التبرع بالدم عالمياً
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة حنان بلخي، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، بمناسبة اليوم العالمي للمتبرعين بالدم، أن الدم المأمون يعد مورداً صحياً حيوياً لا بديل له لإنقاذ آلاف الأرواح يومياً. وكشفت بلخي عن إحصائيات مقلقة تظهر عمق الأزمة؛ إذ تستحوذ البلدان مرتفعة الدخل على نحو 40% من إجمالي 118.5 مليون عملية التبرع بالدم التي تجري سنوياً على مستوى العالم، على الرغم من أن سكان هذه الدول لا يمثلون سوى 16% فقط من إجمالي سكان العالم. هذا التفاوت الصارخ يضع الأنظمة الصحية في الدول النامية تحت ضغط مستمر، خاصة عند التعامل مع ضحايا الحوادث، والعمليات الجراحية المعقدة، ومضاعفات الولادة التي تتطلب نقلاً فورياً للدم.
تحديات إقليم شرق المتوسط وتأثير الأزمات الإنسانية
يواجه إقليم شرق المتوسط تحديات معقدة ومستمرة في تأمين إمدادات كافية ومأمونة من الدم. وأوضحت الدكتورة بلخي أن النزاعات المسلحة والأزمات السياسية والاقتصادية الراهنة في المنطقة تؤدي إلى استنزاف سريع ومفاجئ للمخزونات الطبية الشحيحة أصلاً. ومع تزايد أعداد الحالات الحرجة والمصابين جراء الحروب، يصبح بناء منظومات نقل دم مرنة وصامدة جزءاً لا يتجزأ من خطط التأهب والاستجابة للطوارئ الصحية. وتؤثر هذه الأزمات بشكل مباشر على المستويات المحلية والإقليمية، حيث تتراجع قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الأساسية، مما يهدد حياة الآلاف من المرضى الذين يعتمدون على نقل الدم الدوري، مثل مرضى الثلاسيميا وفشل الكلى.
نحو استراتيجية مستدامة لتشجيع التبرع الطوعي
أشارت المديرة الإقليمية إلى أن بعض دول الإقليم لا تزال تعتمد بشكل كبير على التبرع العائلي أو التعويضي (حيث يتبرع أقارب المريض لتلبية حاجته الفورية)، محذرة من أن هذا الأسلوب لا يضمن استدامة الإمدادات أو مأمونيتها. وشددت على أن التوسع في برامج التبرع الطوعي والمنتظم دون مقابل مادي يظل الخيار الأكثر أماناً واستدامة لتلبية الاحتياجات المتزايدة. كما دعت الحكومات والمؤسسات الصحية إلى الاستثمار في تطوير البنية التحتية لخدمات الدم، وتطبيق معايير صارمة لإدارة الجودة والمراقبة، والتي لا تتوفر حالياً سوى في نصف دول إقليم شرق المتوسط تقريباً، لضمان حماية المرضى من المخاطر الصحية المرتبطة بنقل الدم غير الآمن.



