أكبر خريطة الكون ثلاثية الأبعاد: اكتشاف 47 مليون مجرة

كشفت مجموعة دولية من خبراء الفلك عن إنجاز علمي غير مسبوق يتمثل في تطوير أكبر خريطة الكون ثلاثية الأبعاد حتى الآن. يُظهر هذا الإنجاز المذهل وجود أكثر من 47 مليون مجرة، مما يجعله الأوسع والأدق في تاريخ رصد الفضاء العميق. وأفاد الباحثون بأن المجرة الواحدة تضم أعداداً متفاوتة من النجوم والكواكب والأقمار، مما يشير بقوة إلى أن الكون قد يحتوي على ملايين، وربما مليارات، من الكواكب الشبيهة بالأرض من حيث الخصائص والظروف القابلة للحياة.
التطور التاريخي لرصد الفضاء وتصميم خريطة الكون ثلاثية الأبعاد
لم يكن الوصول إلى هذا الإنجاز وليد اللحظة، بل هو تتويج لعقود من الجهود الفلكية المستمرة. تاريخياً، بدأ الإنسان محاولاته لفهم الكون ورسم خرائطه منذ اختراع التلسكوبات الأولى، مروراً باكتشافات إدوين هابل في عشرينيات القرن الماضي التي أثبتت توسع الكون. وفي العقود الأخيرة، أحدثت مشاريع مثل مسح سلون الرقمي للسماء ثورة في فهمنا للفضاء. واليوم، تأتي خريطة الكون ثلاثية الأبعاد الجديدة، التي طُورت عبر مشروع مطياف الطاقة المظلمة (DESI)، لتمثل قفزة نوعية تتجاوز كل ما سبق. امتد هذا المشروع العلمي لخمس سنوات متواصلة، باستخدام نحو 5 آلاف عدسة ليفية بصرية، ليمسح السماء بدقة عالية ويرصد أكثر من 47 مليون مجرة و20 مليون نجم إضافي.
نافذة على الماضي السحيق والثقوب السوداء
أظهرت البيانات المستخرجة أن الضوء القادم من أبعد المجرات المرصودة يعود إلى أكثر من 11 مليار سنة، مما يتيح للعلماء نافذة فريدة للاطلاع على بدايات الكون وتطوره. ويُعد هذا المسح الأكبر بنحو ستة أضعاف من حيث حجم البيانات مقارنة بجميع الدراسات السابقة مجتمعة. شملت هذه البيانات رصد المجرات والكوازارات، وهي إشارات شديدة السطوع تصدر عن الثقوب السوداء النشطة في مراكز المجرات.
وأوضح الدكتور سيشادري ناداثر، الباحث بجامعة بورتسموث وقائد الفريق، أن كل واحدة من العدسات الخمسة آلاف كانت تلتقط نقاطاً مختلفة في السماء كل ليلة. وكانت أذرع آلية تعيد توجيهها بدقة متناهية تصل إلى 10 ميكرونات (أقل من سمك الشعرة) كل 20 دقيقة، ليتم بعد ذلك تحليل الضوء عبر عشرة أجهزة مطيافية لتحديد موقع الأجرام، سرعتها، وتركيبها الكيميائي.
الأهمية العلمية والتأثير العالمي لاكتشافات الطاقة المظلمة
يحمل هذا الحدث الفلكي أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد على المستويات المحلية، الإقليمية، والدولية. فعلى الصعيد الدولي، يشارك في هذا المشروع الضخم أكثر من 900 عالم يمثلون 70 مؤسسة بحثية حول العالم، مما يعكس حجم التعاون العلمي العالمي لفهم الطاقة المظلمة. هذه القوة الغامضة تمثل نحو 70% من الكون وتُعتبر المسؤولة الرئيسية عن تسارع تمدده. إقليمياً ومحلياً، تُلهم هذه الاكتشافات وكالات الفضاء الناشئة في الشرق الأوسط لتعزيز استثماراتها في علوم الفضاء العميق وتطوير برامجها الأكاديمية لتخريج جيل جديد من علماء الفلك.
هل تتغير نظرياتنا حول مصير الكون؟
أظهرت بيانات السنوات الثلاث الأولى من المسح مفاجأة علمية كبرى؛ فالطاقة المظلمة، التي كانت تُعتبر ثابتة على مر الزمن، قد تكون في الواقع متغيرة. هذا الاكتشاف الجوهري قد يغير الفرضيات العلمية التقليدية حول تطور الكون ومصيره النهائي. في حين كانت النظريات السائدة تربط نشأة الكون ونهايته بتوازن دقيق بين المادة والطاقة المظلمة، يأمل العلماء أن تساعد الخريطة الكاملة في حسم هذا الجدل وتحديد الخصائص الدقيقة لهذه الطاقة. ويترقب المجتمع العلمي بشغف إعلان النتائج النهائية للمشروع خلال العام المقبل، والتي قد تعيد كتابة كتب الفيزياء الفلكية الحديثة.



