معرض اكتشافات مضيئة: نافذة على تاريخ دادان ولحيان في العلا

يواصل معرض اكتشافات مضيئة، الذي يحمل عنوان “المراحل التاريخية في دادان”، استقبال زواره في محافظة العلا التاريخية، مقدماً تجربة ثقافية ومعرفية فريدة من نوعها. يأتي هذا المعرض الاستثنائي ضمن جولات دادان وجبل عِكمة خلال موسم الصيف الحالي، ليسلط الضوء على الإرث الحضاري العريق لمدينة دادان، العاصمة التاريخية لمملكتي دادان ولحيان، من خلال مجموعة مذهلة من المكتشفات الأثرية التي تساهم في إعادة قراءة تاريخ واحدة من أبرز الحضارات التي ازدهرت في شمال غرب الجزيرة العربية.
أهمية معرض اكتشافات مضيئة في توثيق الإرث الإنساني
يعود تاريخ منطقة العلا ودادان على وجه الخصوص إلى آلاف السنين، حيث كانت مركزاً تجارياً وحضارياً رئيسياً على طرق البخور والتوابل القديمة. يقع المعرض في موقع دادان الأثري، ويأخذ الزوار في رحلة معرفية عبر الزمن لاستكشاف طبقات تاريخ المدينة وتحولاتها عبر العصور المختلفة. ويضم المعرض أكثر من 100 قطعة أثرية فريدة تم اكتشافها خلال أعمال التنقيب المكثفة في موقعي دادان وأم درج على مدار السنوات الخمس الماضية. توثق هذه القطع تفاصيل الحياة اليومية، والحرف اليدوية، والمعتقدات الدينية، وشبكات التجارة المعقدة التي ربطت المنطقة بالعالم الخارجي وازدهرت بشكل غير مسبوق.
روابط حضارية عابرة للقارات والبحار
تبرز المعروضات المكانة الاستراتيجية لمدينة دادان كحلقة وصل حيوية بين حضارات العالم القديم. وتكشف المكتشفات الأثرية عن امتداد العلاقات التجارية والثقافية للدادانيين واللحيانيين مع مناطق جغرافية بعيدة، حيث يعرض المعرض قطعاً ذات طراز يوناني مميز، ودبوس شعر عظمي يعود إلى العصر الروماني أو البيزنطي، بالإضافة إلى نقوش معينية من العربية الجنوبية القديمة. هذه الشواهد تؤكد أن العلا لم تكن مجرد واحة معزولة، بل كانت مركزاً عالمياً للتفاعل الثقافي والاقتصادي، مما يعزز اليوم مكانة المملكة العربية السعودية كوجهة سياحية وثقافية عالمية رائدة تماشياً مع رؤية السعودية 2030.
كنوز أثرية تُعرض للمرة الأولى أمام الجمهور
من أهم ما يميز هذا الحدث الثقافي هو تقديم قطع أثرية نادرة تُعرض للمرة الأولى. وتشمل هذه المعروضات تماثيل حجرية ضخمة اكتشفها علماء الآثار مؤخراً، والتي تجسد المهارة الفنية الفائقة لنحاتي مملكة لحيان. كما يضم المعرض رأساً فخارياً ذا طراز يوناني، ونقوشاً محفورة بدقة على الحجر الرملي توثق الأنشطة التجارية والطقوس الدينية. ويرتبط هذا المحتوى بالنقوش الصخرية الشهيرة في جبل عِكمة، المسجل في سجل “ذاكرة العالم” لدى منظمة اليونسكو، مما يضفي قيمة تاريخية مضاعفة على المعرض. كما تُعرض نتائج المسح الأثري التي كشفت عن رسوم صخرية لفرسان يحملون الرماح ومشاهد صيد تعكس الحياة الاجتماعية السائدة آنذاك.
شراكة دولية ومحاور معرفية متكاملة
يتوزع محتوى المعرض على خمسة محاور رئيسية تضمن تقديم تجربة تعليمية متكاملة للزوار: الحرف والحياة اليومية، التبادل والتجارة، المعتقدات والطقوس القديمة، الكتابات المنقوشة على الحجر، ومنطقة أم درج الأثرية. ويأتي هذا المعرض كثمرة تعاون علمي وثيق بين علماء آثار سعوديين ومؤسسات دولية مرموقة، وذلك في إطار مشروع دادان الأثري بالشراكة بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والوكالة الفرنسية لتطوير العلا. تهدف هذه الجهود المشتركة إلى حماية الإرث الإنساني المشترك وإتاحته للباحثين والمهتمين من مختلف أنحاء العالم، مما يساهم في تعزيز الحوار الثقافي الدولي وإبراز العمق التاريخي للمنطقة.



