جدة التاريخية في اليونسكو: 12 عاماً من الريادة الثقافية

يصادف شهر يونيو من هذا العام مرور اثني عشر عامًا على إدراج منطقة جدة التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). ويعكس هذا الحدث الهام الجهود الدؤوبة والمستمرة التي تبذلها وزارة الثقافة السعودية لإعادة إحياء المنطقة والحفاظ على هويتها الفريدة، تماشيًا مع رؤية المملكة 2030 الرامية إلى صون التراث الثقافي والهوية الوطنية وإبرازهما للعالم كجزء لا يتجزأ من الإرث الإنساني المشترك.
تاريخ جدة التاريخية وعمقها الحضاري العريق
تعود جذور منطقة جدة التاريخية (المعروفة محلياً باسم “البلد”) إلى عصور ما قبل الإسلام، إلا أن نقطة التحول الكبرى في تاريخها كانت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي اتخذها ميناءً رسميًا لمكة المكرمة في عام 26 هـ (647 م). هذا القرار التاريخي جعل من المدينة البوابة الرئيسية لاستقبال حجاج بيت الله الحرام القادمين بحرًا، ومحورًا تجاريًا يربط بين طرق التجارة العالمية عبر البحر الأحمر.
هذا المزيج الفريد من التجارة والروحانية صاغ هوية معمارية واجتماعية استثنائية تمثلت في البيوت الحجازية التقليدية المبنية من الحجر الجيري المرجاني المستخرج من البحر الأحمر، والمزينة بالرواشين الخشبية البديعة التي تعكس مهارة البناء التقليدي والتكيف المناخي الذكي.
معايير اليونسكو التي توجت “البلد” عالميًا
لم يكن انضمام المنطقة لقائمة التراث العالمي وليد الصدفة، بل جاء لاستيفائها ثلاثة معايير رئيسية من معايير القيمة العالمية الاستثنائية لليونسكو. تعبر المنطقة عن تبادل إنساني وثقافي عميق عبر البحر الأحمر، وتجسد طرازًا معماريًا فريدًا يروي قصص التبادل التجاري والاجتماعي.
وتتميز البيوت الأثرية مثل بيت نصيف وبيت المتبولي، بجانب المساجد التاريخية كمسجد الشافعي، بنسيج عمراني متلاحم يعكس الترابط المجتمعي. كما أن الأزقة الضيقة والأسواق التقليدية النابضة بالحياة مثل سوق العلوي وسوق البدو، لا تزال تحتفظ بعبق الماضي وتوثق حكايات الأجيال التي تعاقبت على هذا المكان الاستثنائي.
الأثر الاقتصادي والسياحي لإحياء التراث الوطني
يتجاوز تأثير الحفاظ على المنطقة البعد المحلي ليشكل علامة فارقة على المستويين الإقليمي والدولي. محليًا، يسهم مشروع “إعادة إحياء جدة التاريخية”، الذي أطلقه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في تحويل المنطقة إلى مركز جاذب للأعمال والمشاريع الثقافية، ومقصدًا سياحيًا عالميًا يثري الاقتصاد الوطني غير النفطي.
إقليميًا ودوليًا، يعزز هذا الاهتمام مكانة المملكة كوجهة ثقافية رائدة قادرة على تقديم نموذج ملهم في التنمية الحضرية المستدامة التي تدمج بين الأصالة والمعاصرة. إن تحويل هذه المنطقة إلى متحف مفتوح ينبض بالحياة والفنون يعيد تقديم الثقافة السعودية للعالم بأبهى صورها، ويفتح آفاقًا جديدة للتبادل الثقافي الدولي.



