الأكل العاطفي: فخ نفسي يهدد وزنك وطرق الوقاية


حذرت أخصائية التغذية، دانة الصالح، من تفشي سلوك الأكل العاطفي بين أفراد المجتمع في الآونة الأخيرة. وأكدت أن هذا السلوك يمثل استجابة فسيولوجية خادعة لمشاعر التوتر، والقلق، والملل، وليس نابعاً من نداء حقيقي للجوع. وأوضحت أن الإشكالية الكبرى تكمن في الخلط الذهني لدى الكثيرين بين الجوع الفعلي وحاجة الجسم للماء، أو حتى الاحتياج النفسي لتفريغ الضغوط، مما يدفعهم لتناول كميات فائضة من الطعام دون وعي مسبق.
الجذور النفسية وتطور ظاهرة تناول الطعام للتعويض
لفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية لتطور عاداتنا الغذائية. في العقود الماضية، لم يكن الوصول إلى الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون بالسهولة التي نشهدها اليوم. مع تسارع وتيرة الحياة العصرية وزيادة الضغوط العملية والاجتماعية، تحول الطعام من مجرد وسيلة للبقاء وتغذية الجسد إلى أداة سريعة ومتاحة للهروب من المشاعر السلبية. هذا التحول التاريخي في علاقة الإنسان بالطعام جعل من اللجوء إلى الثلاجة رد فعل تلقائي لمواجهة الأزمات النفسية، حيث يفرز الدماغ هرمونات مؤقتة للشعور بالسعادة عند تناول الأطعمة المريحة (Comfort Foods)، مما يرسخ هذه العادة كآلية تكيف غير صحية.
التداعيات الصحية وتأثير الظاهرة على المجتمعات
لا تقتصر أهمية تسليط الضوء على هذا الحدث السلوكي على الفرد فحسب، بل يمتد تأثيره المتوقع ليشمل المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد العالمي، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى ارتباط وثيق بين التوتر المزمن وارتفاع معدلات السمنة المفرطة. وإقليمياً ومحلياً، تكلف الأمراض المرتبطة بزيادة الوزن، مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب، أنظمة الرعاية الصحية ميزانيات ضخمة سنوياً. إن استمرار تفشي هذه العادات الخاطئة يهدد بإنشاء أجيال تعاني من اضطرابات الأكل، مما يبرز الحاجة الماسة لتدخلات توعوية شاملة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المناهج التعليمية ووسائل الإعلام.
زيادة مفرطة في الوزن ومخاطر مزمنة
وبيّنت الأخصائية أن الاستسلام المتكرر لهذه الرغبات الوهمية يمهد الطريق حتمياً نحو زيادة مفرطة في الوزن، ويمهد لظهور مشكلات صحية مزمنة على المدى الطويل يصعب تداركها. ووضعت خارطة طريق للوقاية، ترتكز أساساً على تلبية احتياجات الجسم عبر نظام غذائي متوازن يجمع بين البروتينات والكربوهيدرات والدهون الصحية، مع التشديد على الإرواء الكافي بالماء، نظراً لأن الدماغ يترجم الشعور بالعطش أحياناً إلى رغبة في الأكل. ولفتت إلى أن المعركة مع هذه العادات تُحسم في ميدان الصحة النفسية، داعية إلى تبني استراتيجيات دفاعية لتبديد التوتر، تتصدرها ممارسة النشاط البدني بانتظام، وضبط الساعات البيولوجية للنوم، وتخصيص أوقات للاسترخاء الفعال.
الوعي الغذائي كدرع واقٍ ضد الأكل العاطفي
وشددت على محورية الوعي الغذائي في حياة الفرد كأفضل وسيلة لمواجهة الأكل العاطفي، والمتمثل في تدريب العقل على التمييز اللحظي بين الجوع الحقيقي النابع من المعدة، والجوع الوهمي النابع من تقلب المزاج، لضمان تناول الطعام باعتدال وإدراك تام. واختتمت أخصائية التغذية رسالتها التوعوية ببث رسالة طمأنة، مؤكدة أن السيطرة على هذا المسار غاية ممكنة التحقيق متى ما تسلح الفرد بالوعي الذاتي وعدّل من سلوكياته اليومية، ليحصد في النهاية توازناً نفسياً وجسدياً مستداماً.



