كوبا تستعد لأي عدوان عسكري أمريكي بدليل حماية للعائلات

أصدرت هيئة الدفاع المدني في كوبا مؤخراً “دليلاً عائلياً” شاملاً يهدف إلى توجيه المواطنين وتوفير سبل الحماية من أي عدوان عسكري أمريكي محتمل. وتأتي هذه الخطوة، بحسب ما أفادت به مواقع إلكترونية حكومية تابعة لمقاطعات كوبية، في خضم تصاعد ملحوظ في التوتر مع الولايات المتحدة. وقد جاء إصدار هذه الوثيقة، التي لم تحظَ بتغطية إعلامية وطنية واسعة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وهافانا، الخصمين الأيديولوجيين التاريخيين، توتراً شديداً ينذر بتداعيات معقدة.
جذور الصراع التاريخي بين هافانا وواشنطن
لفهم السياق العام لهذا الإجراء، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية للحدث. فالعلاقات الأمريكية الكوبية تتسم بالعداء منذ نجاح الثورة الكوبية عام 1959. وقد تجلى هذا الصراع في محطات تاريخية بارزة مثل عملية خليج الخنازير عام 1961، وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 التي وضعت العالم على حافة حرب نووية. منذ ذلك الحين، تفرض واشنطن حظراً اقتصادياً وتجارياً ومالياً صارماً على الجزيرة، مما شكل أساساً لحالة التأهب الدائمة التي تعيشها الحكومة الكوبية تجاه جارتها الشمالية وتبريراً لإصدار أدلة دفاعية مشابهة عبر العقود.
تصاعد التوترات ومخاوف من عدوان عسكري أمريكي
في الأشهر الأخيرة، اتخذت الأزمة أبعاداً جديدة، حيث تفرض الولايات المتحدة حصاراً مشدداً على إمدادات المحروقات التي تطال الجزيرة الشيوعية الواقعة على بُعد 150 كيلومتراً فقط من سواحلها. وتُعلل الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات بأن كوبا تمثل “تهديداً استثنائياً” للأمن القومي الأمريكي. وفي تطور لافت، توجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، إلى هافانا مؤخراً لعقد اجتماع استثنائي مع كبار المسؤولين الكوبيين، وذلك في ظل انخراط البلدين في محادثات صعبة ومعقدة منذ عدة أشهر.
تفاصيل وثيقة “حماية ومقاومة وبقاء”
استجابة لهذه التهديدات، أعدت هيئة الدفاع المدني وثيقة مكونة من بضع صفحات موجهة “إلى جميع العائلات الكوبية”. تقدم الوثيقة معلومات “عملية” حول “حماية الأرواح في مواجهة هجمات محتملة من العدو”، بحسب بيان نُشر على “بوابة المواطن” التابعة لمقاطعة هافانا. كما نشرت إذاعة مقاطعة سانتي سبيريتوس، الواقعة في وسط البلاد، هذه المعلومات على موقعها الإلكتروني، وعرضت الوثيقة للتحميل المباشر.
تحمل الوثيقة عنوان “حماية، مقاومة، بقاء، وتغلب”، وتتضمن سلسلة من التوصيات الدقيقة. تبدأ هذه التوصيات من ضرورة تجهيز “حقيبة ظهر عائلية تحتوي على مياه للشرب، وطعام، وأدوية، ومستلزمات للنظافة الشخصية”، وصولاً إلى كيفية التنبه إلى “إنذارات من ضربات جوية”. كما تشجع الوثيقة المواطنين على تعلم “الإسعافات الأولية”، وتؤكد على أهمية البقاء على اطلاع دائم “من خلال مجالس الدفاع المحلية”.
التداعيات الداخلية والأزمة الاقتصادية الخانقة
يكتسب هذا الحدث أهمية كبرى بالنظر إلى تأثيره المتوقع على الصعيد المحلي. فيأتي نشر هذه الوثيقة في وقت تعاني فيه الجزيرة، البالغ عدد سكانها 9.6 ملايين نسمة، من أزمة اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة. يفتقر العديد من الكوبيين إلى الضروريات الأساسية، مما يزيد من حالة الاحتقان الداخلي. علاوة على ذلك، تعيش شبكة الكهرباء في البلاد حالة حرجة للغاية، إذ نفدت احتياطيات الديزل والفيول، مما أدى إلى انقطاعات متكررة وطويلة للتيار الكهربائي. وقد أسفرت هذه الانقطاعات عن اندلاع احتجاجات شعبية في العديد من أحياء العاصمة هافانا في الأيام الأخيرة.
على الصعيدين الإقليمي والدولي، يعكس هذا التأهب الكوبي محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية وتوجيه الأنظار نحو التهديد الخارجي، في وقت تسعى فيه هافانا إلى تعزيز تحالفاتها مع قوى دولية أخرى لتخفيف وطأة الحصار. إن استمرار هذه التوترات لا يؤثر فقط على استقرار كوبا، بل يلقي بظلاله على أمن منطقة البحر الكاريبي بأكملها، مما يجعل المجتمع الدولي يراقب بحذر مآلات هذا التصعيد المستمر وتأثيره على حركة التجارة والأمن الإقليمي.



