أكبر منظومات التبريد في الحرمين لخدمة ضيوف الرحمن

تواصل الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جهودها الحثيثة لتعزيز منظوماتها التشغيلية والتقنية، وذلك من خلال تسخير أحدث الحلول العالمية لتوفير بيئة مريحة وآمنة لضيوف الرحمن. وفي هذا السياق، تبرز منظومات التبريد في الحرمين كواحدة من أهم الركائز الأساسية التي تواكب الكثافة العالية لموسم الحج، وترتقي بجودة التجربة التعبدية لملايين المسلمين.
تطور تاريخي يعكس العناية الفائقة بضيوف الرحمن
على مر التاريخ، حظيت مكة المكرمة والمدينة المنورة باهتمام بالغ من قبل القيادة السعودية، حيث تطورت خدمات تكييف وتهوية المسجد الحرام والمسجد النبوي بشكل جذري. في العقود الماضية، كانت تعتمد عمليات التبريد على وسائل تقليدية بسيطة، ولكن مع تزايد أعداد الحجاج والمعتمرين القادمين من شتى بقاع الأرض، ظهرت الحاجة الماسة لابتكار حلول هندسية ضخمة. هذا التطور التاريخي لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات الطقس، بل كان تجسيداً لرؤية استراتيجية تهدف إلى جعل أداء المناسك أكثر يسراً وسهولة. إن نجاح المملكة في إدارة هذه الحشود المليونية في ظروف مناخية قاسية يعكس تأثيراً إقليمياً ودولياً بالغ الأهمية، حيث تقدم السعودية نموذجاً عالمياً يُحتذى به في إدارة الحشود وتطويع التكنولوجيا الحديثة لخدمة الإنسان، مما يعزز من مكانتها الرائدة في العالم الإسلامي.
أرقام قياسية تسجلها منظومات التبريد في الحرمين
يشهد المسجد الحرام تشغيل واحدة من أكبر منظومات التبريد في الحرمين وعلى مستوى العالم، بطاقة إجمالية تصل إلى 155 ألف طن تبريد. تتوزع هذه الطاقة الضخمة بين محطتي ‘الشامية’ بـ 120 ألف طن، و’أجياد’ بـ 35 ألف طن. وتعتمد هذه المنظومة المتطورة على تبريد المياه إلى درجات تتراوح بين 4 و5 درجات مئوية قبل ضخها عبر شبكة متكاملة إلى وحدات مناولة الهواء بالغرف الميكانيكية. هناك تتم عملية التبادل الحراري، ليدفع الهواء النقي المبرد لجميع أرجاء المسجد الحرام. كما تمت عمليات تجديد وتطوير شاملة لوحدات مناولة الهواء واستبدال المبادلات الحرارية كافة بأخرى جديدة، إضافة إلى تغيير الفلاتر الخاصة بتنقية الهواء بشكل دوري للحفاظ على درجات حرارة مستقرة تتراوح بين 22 و24 درجة مئوية.
تقنيات ذكية لضمان نقاء الهواء واستدامته
تُدار هذه العملية المعقدة عبر 77 حساساً حرارياً موزعة بدقة متناهية، تستجيب فورياً للتغيرات في الكثافة البشرية، خاصة خلال أوقات الذروة. إلى جانب ذلك، تعمل أنظمة تنقية هواء متقدمة بكفاءة تصل إلى 95%، مدعومة ببرامج صيانة وقائية مستمرة لضمان الاستدامة التشغيلية. وفي المسجد النبوي الشريف، تعمل محطة تبريد مركزية تُعد من الأكبر عالمياً، تقع على بُعد 7 كيلومترات غرب المسجد وتضم 6 وحدات تبريد بطاقة 3400 طن لكل وحدة. يُضاف إلى ذلك 7 مضخات رئيسية لضخ المياه المبردة عبر شبكة أنابيب معزولة، وتغطي هذه المنظومة 2357 عموداً و550 وحدة تكييف، مما يضمن توزيعاً متوازناً وفعالاً للهواء المبرد مع رفع الطاقة التشغيلية خلال موسمي رمضان والحج.
إدارة حركة الحشود بانسيابية وكفاءة عالية
وفي جانب تسهيل التنقل، يعتمد المسجد الحرام على منظومة متطورة تضم 224 سلماً كهربائياً و22 مصعداً، قادرة على خدمة أكثر من 200 ألف حاج في الساعة، مما يسهم في تحقيق انسيابية الحركة بين الأدوار المختلفة. كما يوفر المسجد النبوي 180 سلماً كهربائياً و25 مصعداً تخضع جميعها لبرامج تشغيل وصيانة دقيقة وفق أعلى معايير السلامة، مع تنفيذ أعمال الصيانة خلال فترات انخفاض الكثافة لضمان استمرارية الخدمة دون تأثير على حركة المصلين.
إضاءة ذكية وتحكم مركزي يعزز الروحانية والأمان
شهدت أنظمة الإضاءة في الحرمين الشريفين تطوراً نوعياً؛ حيث يضم المسجد الحرام أكثر من 120 ألف وحدة إضاءة و6900 ثريا، بينما يحتوي المسجد النبوي على أكثر من 137 ألف وحدة LED موحدة اللون. وتُدار هذه المنظومات عبر نظام إدارة المباني (BMS) الذي يتيح التحكم الذكي في شدة الإضاءة وفق أوقات الصلاة والكثافة، مع استخدام إنارة غير مباشرة داخلية لتعزيز الأجواء الروحانية، وإنارة عالية الشدة في صحن المطاف والمسعى لضمان وضوح الرؤية وسلامة الحركة. وتعتمد الهيئة على غرف قيادة وتحكم مركزية لمراقبة الأنظمة كافة لحظياً، بما يشمل درجات الحرارة، والتغذية الكهربائية، والبلاغات التشغيلية. كما تُستخدم تقنيات تحليل البيانات للتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، مما يعزز كفاءة التشغيل ويحد من استهلاك الطاقة والمياه ضمن توجهات الاستدامة البيئية، وبما يحقق الراحة والأمان طوال موسم الحج.



