إدارة المعرفة في القطاع غير الربحي: دليل وطني جديد للحوكمة

أصدر المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي دليلاً إرشادياً شاملاً يهدف إلى تفعيل إدارة المعرفة في القطاع غير الربحي بالمملكة العربية السعودية. ويأتي هذا الإصدار كخطوة استراتيجية لتعزيز الحوكمة والشفافية وحماية الخبرات التراكمية للمنظمات الأهلية من الضياع، مما يضمن استدامة العمل المؤسسي ورفع الكفاءة التشغيلية للجمعيات والمؤسسات الأهلية تماشياً مع التوجهات التنموية الحديثة.
سياق التحول التاريخي للقطاع الثالث بالمملكة
شهد القطاع الثالث في المملكة العربية السعودية تحولاً جذرياً منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، حيث لم يعد دور الجمعيات مقتصراً على الرعاية والعمل الرعوي التقليدي، بل تحول إلى قطاع تنموي فاعل يساهم بشكل ملموس في الناتج المحلي الإجمالي. وتأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي جاء كخطوة تنظيمية رائدة لتمكين هذا القطاع وتأطير أعماله قانونياً وإدارياً. وفي هذا السياق، يمثل الدليل الجديد استكمالاً لجهود مأسسة العمل الأهلي، والانتقال به من الفردية والاجتهادات الشخصية إلى العمل المؤسسي المنظم القائم على توثيق المعارف والخبرات ونقلها بسلاسة بين الأجيال الوظيفية.
أهمية تطبيق إدارة المعرفة في القطاع غير الربحي
يركز الدليل على معالجة التحدي الأكبر الذي يواجه المنظمات الأهلية، وهو تحويل “المعرفة الضمنية” الكامنة في عقول الموظفين والمتطوعين إلى “معرفة صريحة” موثقة ومتاحة للجميع. ويضمن هذا التحول حفظ الذاكرة المؤسسية وحمايتها من التلاشي عند تعاقب الكفاءات أو رحيل الكوادر البشرية.
وينقسم العمل المعرفي وفقاً للإصدار إلى نوعين رئيسيين: المعرفة الضمنية القائمة على التجارب والخبرات العملية المتراكمة (مثل إدارة الأزمات والعمل الميداني)، والمعرفة الصريحة الموثقة في الأدلة واللوائح والأنظمة القابلة للمشاركة والتحديث المستمر. وحذر الدليل من خطورة فقدان المعرفة الضمنية برحيل الموظفين، أو فقدان جدوى المعرفة الصريحة حال عدم تحديثها بشكل مستمر.
مراحل خماسية لتمكين الاستدامة والأثر التنموي
يستعرض الدليل خمس مراحل أساسية لتطبيق المنظومة المعرفية بنجاح، تبدأ بجمع البيانات، ثم تنظيمها وأرشفتها إلكترونياً، تليها مشاركة المعرفة بين الإدارات، وتوظيفها لتحويل الدروس المستفادة إلى سياسات عمل ملموسة، وأخيراً تقييم جودة المعلومات وتحديثها دورياً. وترتكز هذه الدورة على سبعة أهداف استراتيجية لدعم اتخاذ القرار وتوثيق السجلات وفقاً للأنظمة والتشريعات.
وتشير الأرقام الواردة في الدليل إلى أن تبني هذه الممارسات يرفع الكفاءة التشغيلية بنسب تتراوح بين 20% و40%، ويقلل من ازدواجية تسجيل المستفيدين بنسبة 40% عبر بناء قواعد بيانات موحدة، فضلاً عن توفير 20% من ميزانيات التدريب وتقليص فترة تأهيل الموظفين الجدد من ثلاثة أشهر إلى ستة أسابيع فقط بفضل الربط التقني الفعال.
تعزيز الامتثال وحماية البيانات الشخصية
لا تقتصر فوائد الدليل على الجوانب التشغيلية فحسب، بل تمتد لتشمل تعزيز الامتثال لنظام حماية البيانات الشخصية «PDPL». ويطالب الدليل المنظمات بتحديد صلاحيات الوصول للمعلومات وإجراء مراجعات دورية ونشر تقارير الأداء المالي والتشغيلي ربع السنوية، وتقارير الأثر السنوية لتعزيز الشفافية والإفصاح. يساهم هذا الالتزام في رفع مستوى الثقة المجتمعية بين المانحين والمستفيدين، ويعزز من مكانة القطاع محلياً وإقليمياً كشريك تنموي موثوق ومستدام يخدم مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.



