أخبار السعودية

السرديات الإعلامية للحرب: خبراء جامعة الملك سعود يحللون المشهد

أكد نخبة من الخبراء والأكاديميين السعوديين خلال ندوة علمية متخصصة أقيمت في جامعة الملك سعود، أن السرديات الإعلامية للحرب لم تعد مجرد انعكاس للأحداث الميدانية، بل تحولت إلى فاعل رئيسي وأداة استراتيجية في تشكيل موازين القوى وإدارة الصراعات الحديثة. جاء ذلك خلال ندوة نظمها كرسي الدكتور إبراهيم المهنا لإعلام الطاقة والإعلام المتخصص، وأدارها الإعلامي عبد الله بن شديد، تحت عنوان «السرديات الإعلامية… الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية»، حيث تم تسليط الضوء على تجاوز الإعلام لدوره التقليدي كناقل محايد ليصبح سلاحاً يوجه الرأي العام ويصنع القرارات.

الجذور التاريخية وتطور السرديات الإعلامية للحرب

لفهم المشهد الحالي، لا بد من النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. تاريخياً، لعب الإعلام دوراً محورياً في توجيه مسار الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من الحروب التقليدية وصولاً إلى حروب الجيل الرابع والخامس التي تعتمد بشكل مكثف على الدعاية والحروب النفسية. في العقود الماضية، كانت السرديات الإعلامية تُبنى ببطء عبر الصحف والإذاعات، لكن مع الطفرة الرقمية وظهور منصات التواصل الاجتماعي، أصبح تشكيل الرواية وتفكيكها يحدث في الزمن الفعلي. هذا التطور التاريخي جعل من الصراعات المعقدة، مثل التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ساحة خصبة لتبادل الرسائل المبطنة، حيث تسعى كل دولة لفرض روايتها الخاصة لتبرير تحركاتها العسكرية والسياسية أمام المجتمع الدولي.

التداعيات الاقتصادية واضطراب أسواق الطاقة

وفي هذا السياق، أوضح مستشار وزير الطاقة الدكتور إبراهيم المهنا وجود ترابط وثيق وقوي بين أسعار البترول والإعلام، مبيناً أن هذا الترابط تزداد أهميته وحساسيته خلال الأزمات السياسية والعسكرية. وأضاف أن الإعلام بمختلف وسائله أصبح بمثابة الضابط لبوصلة السوق والأسعار، لافتاً إلى التذبذب السريع الذي شهدته أسواق الطاقة مع بداية الهجوم الأمريكي على إيران في الثامن والعشرين من فبراير. وأشار المهنا إلى أن ضبابية المعلومات أدت إلى تشتت التغطية الإعلامية وضعف التحليل البترولي الرصين، محذراً من استمرار تداعيات الحرب على البترول لسنوات قادمة. كما لفت إلى بروز قنوات إعلامية غير عربية جذبت أعداداً كبيرة من المتابعين، في وقت لم يكن فيه أغلب الإعلام العربي بمستوييه الصحفي والتلفزيوني على قدر الحدث.

الأهمية الاستراتيجية وتأثير الصراع على الساحة الدولية

تكتسب هذه التحليلات أهمية كبرى نظراً للتأثير المتوقع للحدث على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. إقليمياً، تعيد هذه السرديات تشكيل التحالفات وتؤثر على استقرار المنطقة بأسرها. ودولياً، تساهم في تغيير نظرة الشعوب والحكومات تجاه القوى العظمى. من جانبه، أكد وكيل وزارة الإعلام سابقاً الدكتور عبد العزيز بن سلمه أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُعد غير مسبوقة، لكونها خيضت دون تشاور مسبق مع حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكشف بن سلمه عن تركز التغطية الأوروبية على ثوابت الأمن والاقتصاد، مشيراً إلى تنامي شعور الأوروبيين بالخذلان واهتزاز الثقة تجاه الولايات المتحدة. وتطرق إلى تداعيات حرب غزة على السردية الإسرائيلية، مستثنياً الموقف الإسباني الذي رفض تقديم تسهيلات للقوات الأمريكية، ووصف إسرائيل بأنها مسؤولة عن إشعال الحرب.

تباين التغطية الغربية وإعادة تعريف التهديدات

بدوره، لاحظ رئيس قسم الإعلام بجامعة الملك سعود الدكتور إبراهيم البعيز أن الإعلام الأمريكي اعتمد في البداية على الرواية الرسمية، قبل أن تظهر بوادر الانعتاق منها وترتفع أصوات المعارضة للحرب. وقارن البعيز بين التناول الأمريكي الذي ينطلق من منظور محلي يبحث عن الانعكاسات الداخلية، وبين الإعلام البريطاني الذي يركز على البعد الدولي ومعاناة المستهدفين على أرض الواقع. وفي ذات السياق، شدد أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود البروفيسور مطلق المطيري على أن السردية الإسرائيلية الموجهة للغرب تعيد تعريف التهديد الإيراني ليتجاوز الجغرافيا والسياسة. وخلص المطيري إلى أن هذه السردية تعمل على شرعنة الفعل العسكري وتثبيت مكانة إسرائيل كحليف أمني، معتبراً إياها نموذجاً متقدماً في إدارة الإدراك ضمن بيئة الصراع المعاصر.

استراتيجية الخطاب المزدوج الإيراني

وفي سياق متصل، أكد عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام الدكتور مشعل الوعيل أن إيران وظفت سرديتين مختلفتين؛ إحداهما لتعبئة الرأي العام الداخلي، والأخرى تستهدف الجمهور الدولي والعربي. وأوضح المختص بالإعلام الرقمي أن هذا التوجه يتقاطع مع محاولات للسيطرة على المراكز الثقافية في دول أفريقية بوصفها أدوات لتصدير الثورة الإيرانية. واختتم الوعيل حديثه بالإشارة إلى قدرة الإعلام الإيراني على التكيف مع التطورات واستغلال الانقسامات الغربية، مؤكداً أن الاستثمار الإيراني في حرب السرديات فاق أحياناً فعالية الأسلحة التقليدية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى