إطلاق الأولويات البحثية في الفنون التقليدية بالسعودية

أعلن المعهد الملكي للفنون التقليدية «وِرث» عن خطوة استراتيجية رائدة تتمثل في إطلاق الأولويات البحثية في الفنون التقليدية، وذلك في مسعى جاد نحو بناء قاعدة معرفية وعلمية متينة تدعم استدامة هذه الفنون وتطويرها. تأتي هذه المبادرة لتعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز الاقتصاد الثقافي، وحماية الهوية الوطنية من الاندثار في ظل التطورات العالمية المتسارعة.
جذور التراث: السياق التاريخي لحماية الهوية الوطنية
تاريخياً، شكلت الفنون التقليدية في شبه الجزيرة العربية مرآة تعكس تنوع الثقافات وتعدد الحضارات التي تعاقبت على المنطقة. ومع التطور العمراني والتكنولوجي السريع الذي شهدته العقود الماضية، برزت الحاجة الماسة إلى مأسسة الجهود الرامية إلى حفظ هذا الإرث. من هنا، تأسس المعهد الملكي للفنون التقليدية ليكون المظلة الرسمية التي ترعى هذا الإرث. ويأتي تحديد هذه الأولويات اليوم كاستمرار لجهود وطنية طويلة الأمد تهدف إلى توثيق الممارسات الثقافية المتوارثة عبر الأجيال، وتحويلها من مجرد ممارسات عفوية إلى قطاع مؤسسي مبني على أسس علمية وبحثية دقيقة، مما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في الحفاظ على التراث الوطني وإبرازه عالمياً.
وأوضح المعهد أن هذه المبادرة تهدف بشكل رئيسي إلى تحديد الفجوات المعرفية في الساحة الثقافية، وربط مخرجات البحث العلمي بالفرص الاقتصادية والثقافية المتاحة. علاوة على ذلك، تسعى المبادرة إلى توجيه بوصلة الباحثين نحو مجالات حيوية تعاني من نقص في الدراسات الأكاديمية، مما يدعم التكامل الفعال بين البحث النظري والممارسة العملية على أرض الواقع.
مجالات الأولويات البحثية في الفنون التقليدية وتنوعها
استندت منهجية بناء الأولويات البحثية في الفنون التقليدية إلى معايير دقيقة وشاملة، تضمنت قياس الأثر الثقافي والاقتصادي، وتحديد مدى إلحاح الفجوة المعرفية، وقابلية التطبيق العملي، بالإضافة إلى التغطية الجغرافية الشاملة لمختلف مناطق المملكة، مع ضمان توافق آراء الخبراء والمختصين في هذا المجال.
وقد كشف المعهد عن حزمة من المجالات المتنوعة التي تشمل قطاعات حيوية، من أبرزها الحرف والصناعات اليدوية (مثل هندسة المواد واقتصاديات الحرف)، والفنون النسيجية والأزياء التقليدية. كما تضمنت فنون الأداء والتعبيرات الثقافية مع التركيز على السوسيولوجيا والأثر الثقافي للمجتمعات المحلية.
ولم تغفل المبادرة مجالات التراث المعماري والمبني، وفنون الخط العربي، والفنون التطبيقية والبصرية التي تدمج بابتكار بين الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تم تسليط الضوء على إدارة التراث والسياحة الثقافية وتكامل التقنيات الحديثة في حفظ المنسوجات الذكية وتأصيل الهوية المعمارية.
الأبعاد الاستراتيجية: التأثير المحلي والصدى الإقليمي والدولي
لا يقتصر أثر هذه الخطوة على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية بالغة الأهمية. على الصعيد المحلي، ستسهم هذه الأبحاث في خلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي في قطاع الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز الانتماء الوطني من خلال فهم أعمق للجذور الثقافية. أما إقليمياً، فإن المملكة تضع نفسها كنموذج يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط في كيفية استثمار التراث ثقافياً واقتصادياً، مما يفتح آفاقاً للتعاون المشترك مع الدول المجاورة ذات التقاطعات الثقافية.
وعلى الصعيد الدولي، أكد المعهد أن التركيز على السرديات الرقمية، وعلم الموسيقى، والآلات التقليدية، يأتي لتعزيز حضور الفنون السعودية في المحافل الدولية. إن توفير بيئة بحثية رصينة يضمن نقل المعرفة الفنية للأجيال القادمة، ويدعم مكانة المملكة كمركز عالمي رائد للفنون التقليدية، مما يسهم في تعزيز القوة الناعمة للسعودية وبناء جسور من التواصل الثقافي مع مختلف شعوب العالم.



