الفحص قبل الزواج: حماية للأجيال من الثلاسيميا والأنيميا

أكد مختصون في الأمراض الوراثية وأمراض الدم أن الفحص قبل الزواج يمثل الركيزة الأساسية والخطوة الوقائية الأهم للحد من انتقال الأمراض المزمنة للأبناء. وتكمن الخطورة الحقيقية في اقتران طرفين يحملان الجينات المصابة، مما يهدد صحة الأجيال القادمة. جاءت هذه التصريحات تزامناً مع اليوم العالمي للثلاسيميا الموافق 8 مايو، حيث يسلط العالم الضوء على أهمية التوعية بهذا المرض الوراثي والتطورات الطبية الحديثة التي قللت من الحاجة لنقل الدم المستمر عبر تقنيات زراعة النخاع والعلاجات الجينية.
تاريخ الأمراض الوراثية وتطور الفحص قبل الزواج
تاريخياً، شكلت الأمراض الوراثية مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية تحدياً صحياً كبيراً في العديد من مناطق العالم، وخاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. وفي المملكة العربية السعودية، أدركت الجهات الصحية مبكراً حجم هذا التحدي، مما أدى إلى إطلاق برنامج الزواج الصحي وإلزامية الفحص قبل الزواج في عام 1425هـ (2004م). هذا القرار التاريخي شكل نقطة تحول جوهرية في مسار الرعاية الصحية الوقائية، حيث ساهم بشكل ملحوظ في تقليل نسب الإصابات الجديدة بالأمراض الوراثية المشمولة بالفحص. إن فهم الجذور التاريخية لانتشار هذه الجينات يساعد اليوم في صياغة استراتيجيات طبية أكثر فعالية للتعامل معها والحد من انتشارها في المجتمعات الحديثة.
التوافق الجيني وقرارات الزواج الواعية
أوضحت استشارية الأمراض الوراثية ورئيسة شعبة الأمراض الوراثية بكلية الطب بجامعة جدة، الدكتورة ود سمير مجدلي، أن الإجراء الطبي المبكر للمقبلين على الزواج يسهم بشكل مباشر في الكشف عن الأشخاص الحاملين للمرض. ويساعد ذلك في تحديد المخاطر الناتجة عن التوافق الجيني الذي قد يؤدي إلى ولادة أطفال مصابين، خاصة في حالات وجود صلة قرابة أو تاريخ عائلي. وبينت “مجدلي” أن الخطورة تكمن بشكل رئيسي في حالات زواج طرفين يحملان جينات الثلاسيميا أو الأنيميا المنجلية، إذ تصل نسبة احتمالية إصابة الأطفال إلى 25% في كل حمل.
الدكتورة ود سمير مجدلي
كما حذرت من سيناريو “الإصابات المزدوجة” التي قد تجمع بين الثلاسيميا والأنيميا المنجلية في آن واحد إذا كان كل من الطرفين يحمل نوعاً مختلفاً من هذه الأمراض، مما يضاعف من التحديات الصحية التي قد يواجهها الأبناء. وأشادت بالدور المحوري لبرنامج الزواج الصحي في المملكة، والذي يمنح المقبلين فرصة الاستفادة من جلسات توعوية واستشارات تخصصية لشرح آليات انتقال المرض ونسبة الخطورة بناءً على النتائج المخبرية قبل إتمام عقد النكاح، لتمكينهم من اتخاذ قرارات واعية تضمن بناء أسر سليمة.
الأثر الشامل للحد من الأمراض الوراثية محلياً ودولياً
لا يقتصر تأثير الالتزام ببرامج الوقاية على صحة الفرد فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية واسعة. على الصعيد المحلي والإقليمي، يؤدي تراجع نسب الإصابة بالأمراض الوراثية إلى تخفيف العبء المادي والتشغيلي عن كاهل أنظمة الرعاية الصحية، وتقليل معدلات الإشغال في المستشفيات وبنوك الدم. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح تجارب الدول في تطبيق برامج وقائية صارمة يقدم نموذجاً يحتذى به في إدارة الموارد الصحية وتقليل معدلات المراضة والوفيات بين الأطفال، مما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة العالمية المتعلقة بالصحة والرفاه.
تحديات نقل الدم وخيارات الشفاء التام
من جانبها، أوضحت استشاري علم أمراض الدم بمستشفى الملك فهد الجامعي بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، الدكتورة حنان حمد الدعيلج، أن الثلاسيميا اضطراب وراثي يؤثر على إنتاج الهيموغلوبين، المكوّن المسؤول عن نقل الأكسجين، مما يؤدي لدرجات متفاوتة من فقر الدم قد تصل للحاجة لنقل دم منتظم مدى الحياة. وبينت أن تكرار نقل الدم قد يؤدي مع الوقت لتراكم الحديد في الجسم، مما يؤثر على القلب والكبد والغدد الصماء إذا لم تتم متابعته بدقة باستخدام أدوية إزالة الحديد والمتابعة الطبية المنتظمة.
د. حنان الدعيلج
وكشفت “الدعيلج” أن زراعة نخاع العظم أصبحت خياراً علاجياً قد يحقق الشفاء التام لبعض المرضى، خاصة عند التشخيص المبكر وتوفر متبرع مناسب، بالإضافة إلى التطورات في العلاج الجيني التي غيرت نظرة العائلات للمرض. وأشارت إلى أن المرضى يعتمدون أساساً على توفر وحدات الدم بانتظام لمواصلة الدراسة والعمل والحياة اليومية، لذا فإن التبرع الطوعي يمثل دعماً حقيقياً ومستداماً، مؤكدة أن الوقاية تبدأ بالوعي، وأن الفحص المبكر والدعم المجتمعي الواعي يمكن أن يحدثا فرقاً حقيقياً في حياة المرضى وأسرهم.
علاجات متقدمة ورعاية شاملة
في السياق ذاته، أكدت استشارية الأمراض الباطنية وأمراض الدم والتخثر، الدكتورة ناهد قوشماق، أن الثلاسيميا مرض دم وراثي ناتج عن خلل جيني في تصنيع الهيموغلوبين، ما يؤدي إلى فقر دم مزمن قد يستدعي نقل الدم الدوري مدى الحياة للحفاظ على صحة المريض ونموه الطبيعي. وأوضحت أن تراكم الحديد الناتج عن نقل الدم يتطلب علاجات إزالة الحديد والمتابعة المستمرة للحفاظ على سلامة الأعضاء الحيوية كالقلب والكبد.
د. ناهد قوشماق
وبيّنت “قوشماق” أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات واعدة، أبرزها العلاج الجيني وزراعة نخاع العظم، والتي فتحت آفاقاً جديدة نحو تقليل الحاجة لنقل الدم وتحقيق الشفاء لبعض المرضى. وأشارت إلى أن المملكة تواصل دعم العلاجات المتقدمة وتعزيز خدمات الرعاية وبنوك الدم، فيما يبقى التبرع الطوعي بالدم والوعي المجتمعي ركيزتين أساسيتين لدعم المرضى. واختتمت بأن الثلاسيميا قد تكون مرضاً وراثياً، لكن الوعي والالتزام بإجراء الفحص قبل الزواج كفيلان بصناعة مستقبل أكثر صحة للأجيال القادمة وتحسين جودة حياة المصابين.




