تعزيز الوعي البيئي: دمج الاستدامة في المدارس والمجتمع

تحتفي المملكة العربية السعودية بفعاليات أسبوع البيئة تحت شعار “أترك أثراً أخضر”، وهي المناسبة الوطنية البارزة التي تهدف إلى ترسيخ الوعي البيئي وتحفيز الممارسات الصديقة للبيئة في كافة أطياف المجتمع. وتأتي فعاليات هذا العام لتؤكد أن حماية البيئة واستدامتها لم تعد مجرد سياسات حكومية كبرى، بل هي نتاج تراكمي لقرارات الأفراد اليومية وسلوكياتهم الواعية. ومن خلال هذا الشعار، تبرز الدعوة لكل مواطن ومقيم لترك بصمة إيجابية تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء، وصولاً إلى مستقبل أكثر توازناً وازدهاراً للأجيال القادمة.
جذور الاهتمام والمبادرات: السياق التاريخي لحماية البيئة في المملكة
لم يكن الاهتمام بالبيئة وليد اللحظة في المملكة العربية السعودية، بل يمتد لعقود من الجهود المؤسسية التي توجت في السنوات الأخيرة بإطلاق “رؤية السعودية 2030”. فقد شكلت حماية المقدرات الطبيعية ركيزة أساسية في التخطيط الاستراتيجي للدولة. وتاريخياً، تطورت التشريعات البيئية من مجرد قوانين للحفاظ على الحياة الفطرية إلى مظلة شاملة تستهدف مكافحة التصحر، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وإطلاق “مبادرة السعودية الخضراء” و”مبادرة الشرق الأوسط الأخضر”. هذه المبادرات التاريخية وضعت المملكة في مصاف الدول الرائدة التي تسعى جاهدة لمواجهة التغير المناخي، مما جعل الفعاليات السنوية مثل أسبوع البيئة محطة هامة لتقييم الإنجازات وتجديد الالتزام المجتمعي.
الأبعاد الاستراتيجية: تأثير الوعي البيئي محلياً وإقليمياً ودولياً
إن تعزيز الوعي البيئي وتطبيق معايير الاستدامة يتجاوز تأثيره الحدود الجغرافية المحلية. فعلى الصعيد المحلي، يسهم هذا التوجه في تحسين جودة الحياة، وتوفير بيئة صحية آمنة للمواطنين، وخلق فرص عمل جديدة في قطاعات الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة. أما إقليمياً، فإن التزام المملكة يقود المنطقة نحو تبني سياسات مشابهة، مما يعزز التعاون المشترك لمواجهة التحديات البيئية التي تضرب الشرق الأوسط، مثل العواصف الرملية وشح المياه. ودولياً، يبرز دور المملكة كفاعل رئيسي في خفض الانبعاثات الكربونية العالمية، مما يدعم الجهود الأممية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويؤكد التزام الرياض بالاتفاقيات المناخية الدولية.
منظومة الاستدامة: من السلوك الفردي إلى المدارس
وفي سياق متصل، أكد مختصون وأكاديميون أن شعار “أترك أثراً أخضر” يعكس حقيقة أن حماية البيئة تبدأ من سلوك الفرد اليومي وتمتد للمجتمع. وأوضحوا في حديثهم بمناسبة أسبوع البيئة، أن الممارسات اليومية مثل تقليل استخدام البلاستيك، وإعادة التدوير، وزراعة النباتات المنزلية تُحدث فرقاً تراكمياً كبيراً في التوازن البيئي. وشددوا على أن غرس هذا المفهوم في الأجيال الناشئة يتطلب دمج الاستدامة في التعليم والممارسات اليومية داخل المدارس، لتتحول حماية البيئة من مجرد معرفة نظرية إلى سلوك طبيعي وأسلوب حياة مستدام.
الاستدامة أسلوب حياة وقوة جماعية
وأوضحت أستاذ علم البيئة المساعد بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، الدكتورة نحاء بنت مقعد العتيبي، أن الشعار يحمل رسالة عميقة؛ فكل تصرّف فردي يترك أثراً، وبإمكان كل شخص أن يجعل هذا الأثر مستداماً عبر قراراته اليومية في استهلاك الطاقة وتقليل الهدر. ولفتت إلى أن هذه الممارسات الفردية تتراكم لتتحول إلى ثقافة عامة تؤثر في السياسات وسلوك الشركات. وبينت أن تزامن أسبوع البيئة مع أسبوع البحث العلمي يبرز أهمية البحث كأداة توجيهية لدعم القرارات البيئية المبنية على المعرفة. وكشفت أن الاستدامة لا تتطلب تغييرات جذرية بقدر ما تحتاج إلى عادات صغيرة مستمرة، مشيرة إلى أن مبادرات التشجير أداة فعالة لمواجهة التغيرات المناخية. واختتمت بأن الطالب يجب أن يصبح “سفيراً بيئياً” ينقل هذا الفكر للأجيال القادمة.
مسؤولية الفرد وخفض البصمة الكربونية
من جانبه، أكد رئيس قسم الزراعة بكلية العلوم البيئية بجامعة الملك عبدالعزيز، الأستاذ الدكتور خالد علي عسيري، أن حماية البيئة لا تعتمد فقط على السياسات الكبرى، بل تبدأ من ترشيد استهلاك الماء والطاقة، مما يساهم في خفض البصمة الكربونية. وأوضح أن استخدام وسائل النقل المشتركة وزراعة النباتات تمثل ممارسات عملية سهلة ذات أثر تراكمي كبير. وفي ذات السياق، أوضح الملحق الثقافي في سفارة المملكة بتركيا والخبير البيئي، الأستاذ الدكتور فيصل بن عبدالرحمن أسره، أهمية تبني الاستهلاك الواعي، مؤكداً أن غرس هذه القيم يبدأ من التعليم المبكر والقدوة الحسنة، لضمان استمرارية الموارد وحماية كوكب الأرض.
الحشرات النافعة: حليف صامت للبيئة
وفي بُعد بيئي آخر، أوضحت الباحثة في علم الحشرات الدكتورة فايزة راشد العتيبي، أن ليس كل الحشرات أعداء، بل إن نسبة كبيرة منها تعتبر نافعة وتسمى “الأعداء الحيوية”، وهي كائنات تشمل المفترسات والطفيليات التي تعمل بشكل طبيعي على السيطرة على الآفات النباتية. وبينت أن هذه الكائنات هي إحدى الركائز الأساسية في “الإدارة المتكاملة للآفات”، وهو النهج الذي يسعى لحماية البيئة وتعزيز الأمن الغذائي بعيداً عن القضاء العشوائي على الكائنات. ووجهت دعوة لتغيير النظرة المجتمعية تجاه الحشرات، فإعطاء الفرصة للكائنات النافعة لتؤدي دورها الطبيعي هو خطوة أولى نحو بيئة أكثر استدامة.



