خطة لتمكين قطاع المياه غير الربحي ومواجهة التحديات

أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية خطة عشرية استراتيجية طموحة تهدف إلى تمكين قطاع المياه غير الربحي من إدارة وتقديم خدمات المياه بكفاءة عالية. تأتي هذه الخطوة المحورية بهدف تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي، ودعم مستهدفات جودة الحياة بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030. وقد تبلور هذا التوجه خلال ورشة عمل موسعة نظمتها الوزارة لمناقشة مقترح «استراتيجية تعزيز مساهمة القطاع الثالث في قطاع المياه 2026–2036م»، وسط حضور بارز لنخبة من الخبراء والمسؤولين من الجهات ذات العلاقة.
الجذور التاريخية والتحول المؤسسي في قطاع المياه غير الربحي
تاريخياً، واجهت المملكة العربية السعودية تحديات طبيعية تتعلق بشح الموارد المائية نظراً لطبيعتها الجغرافية والمناخية الصحراوية. وعلى مر العقود، بذلت الدولة جهوداً جبارة لتأمين المياه عبر بناء السدود وتأسيس كبرى محطات التحلية في العالم. وفي هذا السياق، كان لمفهوم السقيا والأوقاف المائية جذور عميقة في الثقافة الإسلامية والمجتمع السعودي كعمل خيري متوارث. ومع تطور الاحتياجات والنمو السكاني، برزت الحاجة الماسة لتحويل هذه الجهود الفردية والخيرية إلى عمل مؤسسي منظم. ومن هنا، تأتي أهمية تمكين قطاع المياه غير الربحي ليواكب التطورات الحديثة، وينتقل من مجرد تقديم الإغاثة المائية إلى المشاركة الفاعلة في إدارة وتشغيل المرافق المائية بأسس علمية ومستدامة.
قفزات نوعية وإحصاءات مبشرة
خلال ورشة العمل، كشف وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة للمياه، الدكتور عبد العزيز الشيباني، أن مساهمات القطاع الخيري في المجال المائي شهدت نمواً تصاعدياً ملحوظاً خلال السنوات العشر الماضية، الممتدة من 2015 إلى 2025م. وأوضح في كلمته الافتتاحية أن عدد الجمعيات الخيرية المتخصصة في المياه والمسجلة لدى المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي قفز ليصل إلى 51 جمعية بنهاية عام 2025م.
وأشار إلى القفزات النوعية للقطاع غير الربحي بشكل عام، مبيناً أن إسهاماته في الناتج المحلي الإجمالي بلغت نحو 1.4% بنهاية عام 2024م. كما لفت الوكيل إلى تنامي ثقافة العطاء المجتمعي، حيث تجاوز عدد المتطوعين حاجز 1.74 مليون متطوع بنهاية 2025م، مما يترجم نجاح مساعي الدولة في هذا الملف المليء بالفرص. وتطرق إلى جهود الوزارة الملموسة في تفعيل المشاركة المجتمعية، مستشهداً بتأسيس «مؤسسة سقاية الأهلية» عام 2020م، لفتح آفاق الإسهام المستدام في مشاريع وبرامج سقيا الماء.

الأبعاد الاستراتيجية والتأثير المتوقع محلياً ودولياً
لا تقتصر أهمية هذه الخطة العشرية على الداخل السعودي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية هامة. على الصعيد المحلي، ستسهم الاستراتيجية في رفع مستوى جودة الحياة للمواطنين والمقيمين، وتخفيف العبء التشغيلي عن القطاع الحكومي، وخلق فرص عمل جديدة للكوادر الوطنية في مجالات الإدارة والتشغيل المائي. أما إقليمياً، فإن نجاح المملكة في مأسسة العمل الخيري المائي سيقدم نموذجاً يحتذى به للدول المجاورة التي تعاني من تحديات مائية مشابهة. وعلى المستوى الدولي، تتقاطع هذه الجهود بشكل مباشر مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وتحديداً الهدف السادس المعني بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة.
تحديات مفصلية وحلول مستقبلية
وثمّن الدكتور الشيباني الدور الحيوي الذي تؤديه الجهات المانحة، كالأوقاف والمؤسسات الأهلية، في توفير الدعم المالي اللازم لاستمرار هذه المشاريع التنموية. وفي المقابل، حذّر المسؤول من تحديات مفصلية لا تزال تواجه القطاع، تتركز في ضعف القدرات الفنية والتشغيلية، ومحدودية التكامل الفعّال مع القطاعين العام والخاص.
وبيّن أن نقص الكوادر المتخصصة وضعف الاستدامة المالية يعيقان التقدم المأمول، مشدداً بقوله: «إن التحدي لا يكمن في وجود القطاع، بل في تمكينه ليكون أكثر كفاءة وتأثيراً واستدامة». وأكد أن مشاريع المياه تتصدر دوماً أولويات مجالات العطاء في المملكة، نظراً لارتباطها الوثيق والمباشر بالصحة العامة ورفع مؤشرات جودة الحياة للمستفيدين. واختتم وكيل الوزارة كلمته بالتأكيد على أن الاستراتيجية المقترحة تحمل مبادرات تنفيذية ومؤشرات أداء دقيقة، لضمان تحويل القطاع الثالث إلى شريك وطني فاعل ومستدام في تطوير منظومة المياه.



