البشر الرقميون بالذكاء الاصطناعي في الصين: ثورة جديدة

شهدت التكنولوجيا الرقمية في الآونة الأخيرة طفرة هائلة غيرت ملامح التفاعل الإنساني، وتجلى ذلك بوضوح في الصين مع انتشار ما يُعرف باسم البشر الرقميون بالذكاء الاصطناعي. هذه التقنية المبتكرة لم تعد تقتصر على المجالات التجارية فحسب، بل امتدت لتلمس الجوانب العاطفية الأكثر عمقاً لدى البشر، مثل مواساة الفقد وتخليد ذكرى الراحلين. ومن أبرز القصص التي تسلط الضوء على هذا التحول، لجوء المواطنة الصينية “جانغ شينيو” إلى تقنيات التوليد الرقمي لإعادة إنشاء شخصية افتراضية تحاكي هيئة والدها المتوفى، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية وقانونية واسعة حول حدود هذه التكنولوجيا.
قصة جانغ شينيو: كيف يعيد البشر الرقميون بالذكاء الاصطناعي صياغة الفقد؟
تواصلت جانغ شينيو، البالغة من العمر 47 عاماً والتي تقطن في مقاطعة لياونينغ بشمال شرق الصين وتعمل في الشؤون القانونية، مع شركة متخصصة تُدعى “سوبر براين” قبل نحو عامين. كان دافعها الأساسي هو البحث عن وسيلة تساعدها على التكيف مع ألم رحيل والدها بعد صراع مرير مع مرض السرطان. ومن خلال تزويد الشركة بالصور والتسجيلات الصوتية لوالدها الراحل، تمكنت من توليد نسخة رقمية تفاعلية له.
وعندما بدأت جانغ بالدردشة عبر الإنترنت مع هذه الشخصية الافتراضية، صرحت لوكالة “فرانس برس” بأنها شعرت على الفور بـ “الطاقة والحماس”. ورغم أن أصدقاءها يخشون ألا تنجح يوماً في تجاوز محنتها وطوي هذه الصفحة بسبب انغماسها في عالم افتراضي يقدم لها “مواساة زائفة”، إلا أن جانغ ترى الأمر من منظور مختلف؛ حيث تؤكد أنه “حتى لو كانت هذه المواساة مصطنعة، فإن المحبة الكامنة وراءها حقيقية بالفعل”.

الجذور التاريخية وتطور تقنيات الاستنساخ الرقمي
لم تظهر تقنية البشر الرقميين من العدم، بل هي نتاج سنوات من التطور المتسارع في مجالات التعلم العميق، ومعالجة اللغة الطبيعية، وتوليد الصور ثلاثية الأبعاد. في البداية، كانت هذه التقنيات تقتصر على المساعدين الصوتيين التقليديين والشخصيات الكرتونية البسيطة في الألعاب الإلكترونية. ومع ذلك، وبفضل القفزة الهائلة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال العقد الأخير، أصبح من الممكن الآن إنشاء نسخ رقمية تطابق البشر الحقيقيين في نبرة الصوت، وحركات الوجه، وحتى طريقة التفكير والاستجابة العاطفية.
وقد ساهمت البنية التحتية التكنولوجية القوية في الصين، إلى جانب القبول المجتمعي السريع للابتكارات الرقمية، في جعلها أرضاً خصبة لازدهار هذه الظاهرة وتطبيقاتها المختلفة، سواء في قطاع الترفيه، أو التجارة الإلكترونية، أو الدعم النفسي.
الأهمية الاقتصادية والاجتماعية على المستويين المحلي والدولي
تتجاوز أهمية هذه التقنية البعد العاطفي الفردي لتشكل قطاعاً اقتصادياً ضخماً ومؤثراً. ففي عام 2024، بلغت قيمة السوق الصينية لـ “البشر الرقميين” حوالي 4.1 مليارات يوان (ما يعادل 600 مليون دولار أمريكي)، وذلك بعد نمو قياسي بلغت نسبته 85% خلال عام واحد فقط، وفقاً لبيانات وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا). محلياً، يُستخدم هؤلاء المساعدون الرقميون على نطاق واسع في البث المباشر لترويج المنتجات على منصات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة وبأقل التكاليف.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذا التطور يضع الصين في مقدمة الدول التي تقود قطاع “تكنولوجيا الفقد” (Grief Tech)، وهو ما يثير نقاشات عالمية مكثفة حول الآثار النفسية طويلة المدى للاعتماد على الذكاء الاصطناعي كبديل للعلاقات الإنسانية الحقيقية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بخصوصية البيانات الرقمية للمتوفين.
ضوابط قانونية صارمة لتنظيم الفضاء السيبراني
مع هذا الانتشار المتسارع، سارعت السلطات التنظيمية في الصين إلى التدخل لضبط هذا القطاع المتنامي. ونشرت الهيئة الوطنية المعنية بضبط الفضاء السيبراني مشروع لوائح تنظيمية جديدة تهدف إلى تأطير تطوير هذه الشخصيات التجسيدية واستعمالها. وتسعى هذه اللوائح بشكل أساسي إلى منع استخدام تقنيات “التزييف العميق” في التأثير سلباً على الأطفال، أو تشويه سمعة الأشخاص دون موافقتهم، أو المساس بالنظام العام والأمن القومي.
وتنص القوانين المقترحة على ضرورة الإبلاغ بوضوح تام عن أي محتوى يتم إنتاجه بواسطة “البشر الرقميين”، لضمان شفافية التعامل وحماية المستخدمين من التضليل. ويعكس هذا التوجه الفلسفة التنظيمية الصينية التي تعتمد على مبدأ “التطوير أولاً ثم التنظيم، والتجويد بالتتابع”، مما يضمن استمرار الابتكار التكنولوجي مع الحفاظ على الاستقرار المجتمعي والقانوني.



