قواعد خليجية جديدة لضمان حماية الطفل أثناء التحقيق

في خطوة رائدة تعكس التزام دول مجلس التعاون الخليجي بحقوق الإنسان، اعتمد مجلس الوزراء الموافقة الرسمية على وثيقة «مسقط». تهدف هذه الوثيقة الاسترشادية والملزمة إلى إرساء قواعد حماية الطفل أثناء التحقيق، وذلك لضمان توفير بيئة عدلية آمنة تراعي الاحتياجات النفسية والجسدية للأطفال. يأتي هذا الاعتماد بناءً على توصيات النواب العموم والمدعين العامين بدول المجلس، ليمثل نقلة نوعية في ترسيخ الضمانات القانونية خلال مراحل التقاضي المختلفة، وحماية الأطفال من أي ممارسات أو انتهاكات قد تؤثر سلبًا على سلامتهم.
تطور تاريخي مستمر لتعزيز حقوق الطفولة خليجياً
لم يكن اهتمام دول الخليج بحقوق الطفل وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الاتفاقيات والتشريعات. تاريخياً، استندت دول مجلس التعاون الخليجي في تشريعاتها إلى مبادئ الشريعة الإسلامية التي تولي الأسرة والطفل مكانة خاصة، بالإضافة إلى التزامها الراسخ باتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1989. وقد جاء إقرار وثيقة مسقط ليتوج جهوداً استمرت لعقود، متوافقاً مع النظام الأساسي لمجلس التعاون والإعلان الخليجي لحقوق الإنسان. هذا التطور يعكس إدراكاً عميقاً لدى قادة دول المجلس بأن الطفل هو نواة المجتمع وأساس مستقبله، مما يستدعي تحديث الأنظمة بشكل مستمر لتواكب التحديات المعاصرة وتوفر مظلة قانونية شاملة.
الأثر الإقليمي والدولي لضمان حماية الطفل أثناء التحقيق
تحمل هذه القواعد الجديدة أهمية كبرى تتجاوز الحدود المحلية لتترك أثراً إقليمياً ودولياً ملموساً. على المستوى الإقليمي، توحد وثيقة مسقط المعايير القانونية بين دول الخليج، مما يخلق إطاراً تشريعياً متجانساً يسهل التعاون القضائي ويضمن حصول الأطفال على نفس مستوى الرعاية في كافة دول المجلس. أما دولياً، فإن إقرار قواعد حماية الطفل أثناء التحقيق يعزز من مكانة دول مجلس التعاون في المحافل الحقوقية العالمية، ويؤكد التزامها بالمعايير الدولية للعدالة الجنائية للأحداث. هذا التوجه يرسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن دول الخليج تضع مصلحة الطفل الفضلى على رأس أولوياتها التشريعية والتنفيذية.
إطار تشريعي ملزم يحفظ الخصوصية ويمنع الإساءة
نصت الوثيقة بوضوح على ضرورة تبني دول المجلس لهذه القواعد بصفة إلزامية ضمن تشريعاتها الوطنية، مع إخطار الأمانة العامة بالخطوات التنفيذية. وأكدت على أن الطفل يتمتع بكافة الحقوق دون تمييز على أساس الأصل أو الجنس أو الدين. وفيما يخص الخصوصية، شددت القواعد على سرية الإجراءات؛ حيث يُحظر إفشاء أي معلومات شخصية تتعلق بالطفل. كما يُمنع منعاً باتاً استخدام أي أساليب ترهيب أو إكراه للحصول على اعترافات. وألزمت الجهات المختصة بتوفير بيئة مناسبة، وتقليص مدة الإجراءات لتُنجز في جلسة واحدة قدر الإمكان، مع توفير المساعدة القانونية والنفسية، وتعيين مترجمين أو مختصين للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة مجاناً.
إشراك الأسرة واستخدام التقنيات الحديثة
من أبرز التحديثات التي جاءت بها الوثيقة هي تمكين والدي الطفل أو من يتولى رعايته من حضور جلسات التحقيق، مما يمنح الطفل شعوراً بالأمان والطمأنينة. كما ضمنت حقه في التواصل مع ذويه وإبلاغهم بكافة الإجراءات والقرارات الصادرة بحقه، مع تمكينه من طرق الطعن النظامية. ولمواكبة التطور التكنولوجي، أجازت القواعد تسجيل التحقيقات صوتياً ومرئياً، وإجرائها عن بُعد باستخدام وسائل تقنية المعلومات، مما يقلل من الحاجة لحضور الطفل شخصياً إذا كان ذلك يصب في مصلحته ولا يعرضه لأي أذى نفسي أو جسدي.
بدائل الاحتجاز وتوفير رعاية متخصصة
ركزت الوثيقة على أهمية تسليم الطفل بعد انتهاء الإجراءات إلى ولي أمره أو جهة رعاية مختصة، مع دراسة الآثار النفسية لأي قرار بالتوقيف. وألزمت بفصل مرافق احتجاز الأطفال تماماً عن سجون البالغين، مع تكثيف الزيارات التفتيشية من قبل النيابات العامة. كما دعت إلى تفعيل المسارات البديلة للمحاكمات، مثل الإجراءات التوجيهية والخدمات المجتمعية، وإقرار عقوبات بديلة. ولضمان التطبيق الأمثل، طالبت بإنشاء نيابات متخصصة بقضايا الأطفال، وتأهيل الكوادر الإدارية والفنية للتعامل المهني معهم وفقاً لأسس علم النفس، مع إجراء دراسات سنوية لتطوير السياسات الوقائية.



