إنجاز في علاج الصرع المستعصي بمدينة الملك عبدالله الطبية

سجلت مدينة الملك عبدالله الطبية بالعاصمة المقدسة، عضو تجمع مكة المكرمة الصحي، إنجازاً طبياً استثنائياً في علاج الصرع المستعصي، حيث نجحت في إنهاء معاناة مريضة تبلغ من العمر 16 عاماً. وقد لازم هذا المرض الشابة منذ عامها الأول، مما جعلها تواجه نوبات أسبوعية متكررة أثرت بشكل حاد على جودة حياتها، واستقرارها الصحي، ونموها النفسي والاجتماعي، قبل أن يتم التدخل جراحياً لإيقاف هذه المعاناة المستمرة منذ الطفولة المبكرة.
تطور الرعاية العصبية وتاريخ مواجهة المرض
يُعد الصرع من الاضطرابات العصبية التي شكلت تحدياً كبيراً للطب على مر العصور، حيث ينتج عن نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ. وتاريخياً، كان التعامل مع الحالات المعقدة أمراً بالغ الصعوبة، إذ تشير الإحصاءات الطبية العالمية إلى أن نحو 30% من مرضى الصرع لا يستجيبون للأدوية التقليدية، وهو ما يُعرف بالصرع المستعصي. ومع تطور العلوم الطبية، انتقل النهج العلاجي من مجرد محاولة السيطرة على الأعراض بالأدوية إلى التدخلات الجراحية الدقيقة. وفي المملكة العربية السعودية، شهد القطاع الصحي قفزات نوعية هائلة تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، والتي تهدف إلى الارتقاء بجودة الحياة وتوفير رعاية صحية تخصصية ترقى للمعايير العالمية.
تقنية حديثة في علاج الصرع المستعصي
استخدم الفريق الطبي بمركز العلوم العصبية تقنية التخطيط الدماغي العميق الموجه أثناء العملية (Intraoperative Stereotactic EEG Recording). وتُعد هذه هي المرة الأولى التي تُطبق فيها هذه التقنية المتطورة على مستوى مستشفيات وزارة الصحة بالمنطقة. وتسمح هذه الوسيلة العالمية بالوصول إلى البؤر الصرعية في المناطق العميقة من الدماغ بدقة متناهية، مما يرفع نسب نجاح العمليات المعقدة ويقلل بشكل كبير من احتمالات حدوث مضاعفات جانبية للمرضى الباحثين عن علاج الصرع المستعصي.
دقة التنفيذ الجراحي واستئصال البؤرة
أوضحت المدينة الطبية أن الفحوصات الدقيقة داخل وحدة مراقبة الصرع كشفت عن وجود البؤرة الصرعية في منطقة “التلفيف الحزامي الأوسط”، وهي منطقة بالغة الحساسية والدقة داخل الدماغ البشري. وقد تطلب التعامل معها مهارة استثنائية وفريقاً متخصصاً لاستئصال المصدر الرئيس للنوبات. ولله الحمد، تكللت الجهود بالنجاح التام واختفت الأعراض الصرعية فور انتهاء التدخل الجراحي، مما مكن الشابة من العودة لممارسة حياتها الطبيعية واستعادة أملها في مستقبل مشرق خالي من النوبات.
أبعاد الإنجاز وتأثيره الإقليمي والدولي
يأتي هذا النجاح تجسيداً لاستراتيجية مدينة الملك عبدالله الطبية كمركز مرجعي رائد في التخصصات الدقيقة، وتعزيزاً لدورها المحوري في منظومة التحول الصحي من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة والكوادر الوطنية المؤهلة. على المستوى المحلي والإقليمي، يعزز هذا الإنجاز مكانة المملكة كوجهة رائدة للرعاية الصحية والتدخلات العصبية المعقدة، مما يغني المرضى عن السفر للخارج لتلقي العلاج. أما على الصعيد الدولي، فإن تطبيق هذه التقنيات يساهم في إثراء السجل الطبي العالمي وتقديم نماذج ناجحة في جراحات الدماغ العميقة. وتعتبر وحدة مراقبة الصرع بالمدينة الوحيدة من نوعها في المنطقة التابعة لوزارة الصحة، مما يجعلها وجهة أساسية لعلاج الحالات المستعصية التي تتطلب نماذج رعاية صحية قائمة على الابتكار والدقة المتناهية.


