قصة طبيب ملهمة: تأسيس جمعية “قيادات” لتمكين ذوي الإعاقة

في قصة ملهمة تجسد قوة الإرادة البشرية في مواجهة أقسى التحديات، حوّل استشاري جراحة الأورام النسائية الدكتور أيمن عبد الرحيم الطالب معاناته مع متلازمة نادرة إلى منارة أمل، بتأسيسه جمعية “قيادات” التي تهدف إلى تمكين ذوي الإعاقة ودمجهم في سوق العمل. هذه المبادرة لا تعكس فقط انتصاراً شخصياً على المرض، بل تمثل خطوة عملية تتماشى مع التوجهات الوطنية نحو مجتمع أكثر شمولية ودعماً لجميع أفراده.
لم تكن رحلة الدكتور أيمن سهلة، فقد بدأت فصولها قبل سبعة عشر عاماً، حينما تم تشخيصه بمتلازمة “الفشل الظهري” أو “التهاب العنكبوتية اللاصق” (Arachnoiditis)، وهي حالة نادرة تحدث كمضاعفات لعمليات جراحية سابقة في العمود الفقري، بنسبة إصابة لا تتجاوز حالة واحدة لكل ألف عملية. هذا التشخيص الذي تلقاه أثناء ابتعاثه إلى كندا لنيل زمالة جراحة الأورام، أجبره على البقاء طريح الفراش لخمسة أشهر، في مواجهة مباشرة مع واقع جديد فرض عليه تحديات جسدية ونفسية هائلة.
من رحم المعاناة يولد الأمل
بدلاً من الاستسلام للواقع الجديد أو الرضوخ لدعوات البعض له بالتقاعد المبكر، رأى الدكتور أيمن في تجربته فرصة لفهم أعمق لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة. لقد أدرك أن العائق الحقيقي ليس في الجسد، بل في العقلية المجتمعية وفي غياب الفرص المناسبة. ومن هذا المنطلق، ولدت فكرة “قيادات”، وهي جمعية أهلية مرخصة من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، لتكون جسراً يعبر بذوي الإعاقة من دائرة التحديات إلى فضاء الفرص والإنجازات.
“قيادات”: مبادرة رائدة في تمكين ذوي الإعاقة
تهدف جمعية “قيادات” إلى تقديم برامج تأهيل وتدريب متخصصة تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على اكتساب المهارات اللازمة لسوق العمل، مع التركيز على بناء الثقة بالنفس وتنمية القدرات القيادية لديهم. تسعى الجمعية أيضاً إلى خلق شراكات مع القطاعين العام والخاص لتوفير فرص وظيفية مناسبة، وتغيير الصورة النمطية السائدة عن قدرات هذه الفئة الغالية. إن إطلاق هذه الجمعية يأتي في سياق تحولات كبرى تشهدها المملكة العربية السعودية، حيث تولي رؤية 2030 اهتماماً خاصاً بتنمية رأس المال البشري وتمكين جميع شرائح المجتمع للمساهمة في التنمية الوطنية.
رؤية وطنية لدمج الطاقات الكامنة
تتجاوز أهمية مبادرة مثل “قيادات” حدود التأثير المحلي، لتقدم نموذجاً إقليمياً ملهماً في مجال التنمية الاجتماعية. فمن خلال التركيز على التأهيل المهني والدمج الاقتصادي، تساهم الجمعية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز الاقتصاد الوطني عبر استثمار طاقات كانت معطلة. كما أنها تعزز من مكانة المملكة كدولة رائدة في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتؤكد على التحول من نهج الرعاية إلى نهج التمكين الذي يضمن لهم حياة كريمة ومستقلة. ويؤكد الدكتور أيمن أن الدعم الذي وجده من أسرته ورؤسائه كان له الفضل الأكبر في تجاوز المحنة ومواصلة مسيرته الطبية والأكاديمية، وهو ما يدفعه اليوم لتقديم هذا الدعم للآخرين عبر رسالة الجمعية.
وفي ختام حديثه، وجه الدكتور أيمن رسالة قوية لكل شخص يواجه إعاقة قائلاً: “لا تدع الحياة تقف بك عند إعاقتك، انهض بعقلك وحقق ذاتك، وتذكر أنك قادر”. بهذه الكلمات، يختصر الدكتور أيمن قصة كفاحه ويقدمها درساً في العزيمة، مؤكداً أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الفكر لا الجسد.



