فعاليات رواق الكتاب في جدة التاريخية: وجهة ثقافية رمضانية

تستقبل أزقة جدة التاريخية شهر رمضان المبارك بحلة ثقافية مغايرة هذا العام، حيث تحولت ممرات "البلد" العتيقة إلى منصات عرض مفتوحة ومسارات حية تضع الكتاب في متناول الزوار بشكل مباشر وبلا قيود، وذلك عبر فعالية رواق الكتاب التي تمزج بين روحانية الشهر الفضيل وعبق المعرفة.
إحياء التراث العمراني بروح ثقافية
لا تقتصر أهمية هذه الفعالية على كونها معرضاً للكتاب فحسب، بل تأتي في سياق أوسع يتعلق بإعادة إحياء منطقة جدة التاريخية، المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. وتعد هذه المنطقة شاهداً حياً على الطراز المعماري الحجازي الفريد، وتأتي استضافة الفعاليات الثقافية فيها كجزء من استراتيجية وطنية تهدف إلى دمج التراث المادي بالنشاط الثقافي المعاصر، مما يعزز من مكانة المملكة كوجهة سياحية وثقافية رائدة في المنطقة، تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تولي اهتماماً بالغاً بجودة الحياة وإثراء المشهد الثقافي.
تفاصيل فعالية رواق الكتاب
يأتي هذا الحراك الثقافي بتنظيم من شركة "بنش مارك" وبمشاركة نحو 30 دار نشر محلية ودولية، مما أتاح للعابرين فرصة فريدة للإبحار في عوالم الأدب والفكر وسط أجواء تراثية تعيد صياغة علاقة المجتمع بالقراءة كفعل يومي مبهج في قلب المنطقة التاريخية. ويتميز الرواق بتصميمه الذي يراعي طبيعة المكان، حيث تتناغم أرفف الكتب مع الرواشين الخشبية والمباني الحجرية، لتقدم لوحة فنية تجمع بين أصالة الماضي وزخم الحاضر.
حوارات الفكر تحت ظلال الرواشين
وفي جولة لـ "اليوم" لرصد هذا المشهد الثقافي، تبيّن أن رواق الكتاب يتجاوز كونه معرضاً للكتب ليقدم برنامجاً فكرياً ثرياً ينطلق يومياً عند العاشرة مساءً. تضيء الجلسات الحوارية ليالي المنطقة بنخبة من المختصين الذين يناقشون قضايا السكينة النفسية، وبوابات الطمأنينة، وبوصلة الحياة. كما تتناول الحوارات فلسفة الشعر ومرآة النفوس والانسجام في العلاقات الإنسانية، في محاولة لتقديم نموذج عصري يحتفي بالهوية الوطنية ويستثمر التراث في تعزيز الوعي لدى الأجيال الجديدة، جاعلاً من الثقافة نزهة يومية يسهل الوصول إليها والتفاعل معها بشغف.
أبعاد ثقافية وسياحية مستدامة
يحمل هذا الحدث أهمية بالغة على المستويين المحلي والإقليمي؛ فهو يساهم في تعزيز مفهوم "السياحة الثقافية"، حيث لا يكتفي الزائر بمشاهدة المباني التاريخية، بل يعيش تجربة معرفية متكاملة. وتكتمل ملامح هذه التجربة في ذلك المزيج اللافت بين بساطة الماضي ودقة التنظيم، حيث يقتني الزوار كتبهم المفضلة ليجلسوا في أحضان الرواشين العتيقة وتحت فوانيس رمضان، مما يصنع حالة من التفاعل الإنساني والمعرفي الفريد. ويمثل ما يقدمه الرواق هذا العام دعوة مفتوحة لاستكشاف المعرفة على قارعة الطريق في قلب التاريخ، مما يجعلها وجهة لا تفوّت لرواد المنطقة التاريخية خلال الشهر الكريم.



