حقيقة التجمع الكوكبي: ظاهرة فلكية آمنة ومتكررة

أصدرت الجمعية الفلكية بجدة بياناً توضيحياً رداً على المنشورات المتداولة بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي بشأن ما وُصف بـ”التجمع الكوكبي النادر” المتوقع حدوثه في 28 فبراير 2026. وأكدت الجمعية أن هذه التوصيفات المثيرة، التي تزعم أن الاصطفاف استثنائي وقد لا يتكرر لقرون، تفتقر إلى الدقة العلمية، موضحة أن ما سيحدث هو تقارب زاوي ظاهري لعدد من كواكب المجموعة الشمسية في جهة واحدة من السماء عند النظر إليها من الأرض، وهي ظاهرة طبيعية ومتكررة.
لفهم هذه الظاهرة، من المهم معرفة أن جميع كواكب نظامنا الشمسي تدور حول الشمس في مستوى مداري واحد تقريباً يُعرف بـ”دائرة البروج”. وبسبب اختلاف سرعاتها ومداراتها، تتغير مواقعها باستمرار بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة لنا على الأرض. وعندما تصادف مرور عدة كواكب في نفس الجزء من مداراتها، فإنها تبدو متقاربة في شريط ضيق من السماء. هذا التقارب هو مجرد خداع بصري يعتمد على منظورنا، فالمسافات الحقيقية الفاصلة بين هذه الكواكب في الفضاء الخارجي تظل هائلة وتقدر بمئات الملايين من الكيلومترات.
تاريخياً، حظيت ظواهر اصطفاف الكواكب باهتمام كبير لدى الحضارات القديمة التي كانت تراقب السماء بدقة. ففي علم التنجيم القديم، كان يُعتقد أن لهذه التجمعات تأثيرات كبيرة على مصائر البشر والأحداث على الأرض. إلا أن العلم الحديث، القائم على الفيزياء والرياضيات، قد أثبت بشكل قاطع أن هذه الظواهر هي مجرد أحداث ميكانيكية سماوية يمكن التنبؤ بها بدقة، وليس لها أي تأثير فيزيائي ملموس على كوكبنا. إن قوة الجاذبية المجمعة لهذه الكواكب ضئيلة جداً ولا يمكن مقارنتها بقوة جاذبية الشمس أو حتى القمر، الذي يؤثر بشكل مباشر على ظاهرة المد والجزر.
وفي تفاصيل الحدث المرتقب، أوضح رئيس الجمعية، المهندس ماجد أبو زاهرة، أن معظم الكواكب المذكورة في المنشورات المتداولة لن تكون مرئية بسهولة. فكوكبا عطارد وزحل سيكونان قريبين جداً من وهج الشمس بعد غروبها، مما يجعل رصدهما بالعين المجردة شبه مستحيل. أما كوكبا أورانوس ونبتون، فهما خافتان للغاية ويتطلبان استخدام تلسكوب لرؤيتهما. بالتالي، فإن الكوكبين الوحيدين اللذين قد يكونان واضحين نسبياً في سماء ذلك المساء هما الزهرة والمشتري. وأكد أبو زاهرة أن الحديث عن رؤية “سلسلة واضحة من الكواكب” أو اصطفافها في “خط مستقيم” هو وصف غير دقيق علمياً ومبالغ فيه.
وشدد أبو زاهرة على أن هذه الظاهرة البصرية لا تحمل أي تأثير فيزيائي معروف أو متوقع على الأرض. ونفى بشكل قاطع وجود أي ارتباط علمي مثبت بين تجمعات الكواكب وحدوث الزلازل، أو البراكين، أو التغيرات المناخية، واصفاً هذه المزاعم بأنها معلومات مضللة لا تمت لعلم الفلك بصلة. وأضاف أن عبارات مثل “لن يتكرر” تُستخدم غالباً لأغراض الإثارة الإعلامية، بينما الواقع العلمي يشير إلى أن التقاربات الظاهرية بين الكواكب تحدث بدرجات متفاوتة كل بضع سنوات.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن هذه الظاهرة، بعيداً عن التهويل، تمثل فرصة تعليمية مهمة لهواة الفلك والمهتمين لفهم البنية الهندسية للنظام الشمسي. إنها تتيح للراصدين فرصة لتتبع حركة الكواكب وتخيل مداراتها المختلفة، مما يعزز فهمنا لموقعنا في هذا الكون الفسيح. إنها دعوة للنظر إلى السماء بعين العلم والتقدير، وليس بعين الخوف أو الخرافة.



