العرض الوظيفي في السعودية: حكم قضائي يرفض تعويض المرشحين

حكم قضائي يرسخ المبادئ القانونية في سوق العمل السعودي
في قرار قضائي هام، أيدت محكمة الاستئناف العمالية في المملكة العربية السعودية حكمًا برفض دعوى تعويض رفعها مرشح لوظيفة ضد إحدى الشركات، وذلك على الرغم من حصوله على عرض وظيفي رسمي. ويأتي هذا الحكم ليضع حداً للجدل الدائر حول القوة القانونية لـ “العرض الوظيفي” مقارنة بـ “عقد العمل” الموقع، مؤكداً أن العلاقة التعاقدية الملزمة للطرفين لا تبدأ إلا بعد توقيع العقد ومباشرة الموظف لمهامه فعلياً.
ويستند الحكم إلى تفسير واضح لمواد نظام العمل السعودي، الذي يفرق بشكل صريح بين مرحلة التفاوض والوعد بالتوظيف (التي يمثلها العرض الوظيفي) ومرحلة قيام العلاقة العمالية الفعلية التي ينظمها عقد العمل المكتوب. وبحسب حيثيات القرار، فإن العرض الوظيفي، وإن كان خطوة أساسية في عملية التوظيف، إلا أنه لا يرقى لمرتبة العقد الملزم الذي يترتب عليه حقوق والتزامات كاملة، مثل الحق في التعويض عن الفصل أو عدم إتمام إجراءات التوظيف.
السياق العام والإطار التنظيمي لسوق العمل
شهد سوق العمل السعودي خلال السنوات الأخيرة تطورات تنظيمية وتشريعية متسارعة، تهدف إلى تعزيز الشفافية وحماية حقوق جميع الأطراف، وذلك تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. وقد تم إنشاء المحاكم العمالية المتخصصة كجزء من هذه الإصلاحات لتكون المرجع الأول في الفصل في النزاعات العمالية بكفاءة وسرعة، مما يساهم في بناء بيئة عمل جاذبة ومستقرة.
تاريخياً، كان هناك بعض اللبس لدى الباحثين عن عمل وأحياناً لدى أصحاب العمل حول الطبيعة القانونية للعروض الوظيفية. هذا الحكم يأتي ليرسخ مبدأ قانونياً واضحاً: الأمان الوظيفي والحقوق المترتبة عليه تبدأ من لحظة توقيع العقد، وليس قبله. وهو ما يدفع الطرفين إلى توثيق العلاقة بشكل رسمي لضمان حقوقهما.
أهمية القرار وتأثيره المتوقع
يحمل هذا القرار القضائي أهمية بالغة لعدة أطراف في سوق العمل. بالنسبة لأصحاب العمل، يوفر الحكم وضوحاً قانونياً ويحميهم من المطالبات المالية المحتملة في حال تغيرت الظروف التنظيمية أو المالية للشركة بين مرحلة تقديم العرض وبدء العمل الفعلي. فهو يعطيهم المرونة اللازمة لإدارة عمليات التوظيف دون الخشية من تبعات قانونية غير متوقعة.
أما بالنسبة للباحثين عن عمل، فيعد هذا القرار بمثابة تنبيه وإرشاد حيوي. يؤكد القرار على ضرورة عدم اتخاذ قرارات مصيرية، مثل الاستقالة من وظيفة حالية، بناءً على مجرد عرض وظيفي شفهي أو مكتوب. النصيحة القانونية الأهم للمرشحين هي انتظار توقيع عقد العمل الرسمي والنهائي قبل تغيير وضعهم الوظيفي الحالي، لضمان حماية حقوقهم بشكل كامل. وعلى الصعيد الأوسع، يساهم هذا التوضيح القضائي في زيادة النضج والوعي القانوني في سوق العمل السعودي، ويعزز من استقرار العلاقات التعاقدية بين الموظفين والشركات.



