بنما تستعيد السيطرة على ميناءين بقناتها وتقلص النفوذ الصيني

خطوة سيادية لتعزيز السيطرة الوطنية
في خطوة استراتيجية بارزة، فرضت السلطات البنمية سيطرتها الكاملة على ميناءي بالبوا على المحيط الهادئ وكريستوبال على المحيط الأطلسي، وهما من أهم الموانئ الحيوية عند مدخلي قناة بنما. جاء هذا القرار بعد أن ألغت المحكمة العليا في البلاد عقد الامتياز الممنوح لمجموعة “سي كيه هاتشيسون” التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، معتبرةً إياه “غير دستوري”.
وكانت الهيئة العامة للمحكمة العليا قد أصدرت حكمها في يناير الماضي، مؤكدةً أن العقد الذي سمح للشركة الصينية بتشغيل الميناءين لعقود طويلة يخالف الدستور البنمي. ورغم محاولات الشركة للدخول في مفاوضات جديدة مع الحكومة لمواصلة عملياتها، إلا أن السلطات مضت قدماً في تنفيذ القرار القضائي، مؤكدةً على سيادتها على أصولها الاستراتيجية.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية لقناة بنما
تتمتع قناة بنما بأهمية تاريخية وجيوسياسية فريدة، فهي تعد أحد أهم الممرات المائية في العالم. بعد أن شيدتها الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، ظلت القناة تحت السيطرة الأمريكية لعقود، حتى تم تسليمها بالكامل إلى بنما في 31 ديسمبر 1999، بموجب معاهدات توريخوس-كارتر. ومنذ ذلك الحين، أصبحت القناة رمزاً للسيادة الوطنية ومحركاً رئيسياً للاقتصاد البنمي.
يربط هذا الممر المائي بين المحيطين الأطلسي والهادئ، ويختصر آلاف الأميال البحرية من مسارات الشحن العالمية، مما يجعله شرياناً حيوياً للتجارة الدولية. ويمر عبر القناة ما يقرب من 6% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك نسبة كبيرة من حركة الحاويات من وإلى الولايات المتحدة، مما يمنح الموانئ الواقعة على طرفيها قيمة استراتيجية واقتصادية هائلة.
التنافس الجيوسياسي بين واشنطن وبكين
يأتي قرار بنما في خضم تنافس متزايد بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ في أمريكا اللاتينية. لطالما نظرت واشنطن بقلق إلى الاستثمارات الصينية المتنامية في البنية التحتية الحيوية بالمنطقة، خاصة بالقرب من قناة بنما. وتعتبر الولايات المتحدة أمن القناة جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي والاقتصادي.
وقد أثار وجود شركة مرتبطة بالصين في إدارة هذه الموانئ الحيوية مخاوف في الأوساط السياسية الأمريكية من إمكانية استغلال بكين لهذا النفوذ لأغراض استراتيجية أو عسكرية. ورغم أن بنما نفت مراراً وجود أي سيطرة صينية فعلية على القناة نفسها، إلا أن هذه الخطوة القضائية والسيادية يمكن تفسيرها على أنها محاولة لطمأنة الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وتأكيد حيادية القناة وإدارتها الوطنية.
مرحلة انتقالية ومستقبل الميناءين
لضمان استمرارية العمليات وعدم تعطيل حركة التجارة العالمية، أعلنت هيئة الملاحة البحرية في بنما عن بدء فترة انتقالية تمتد لـ 18 شهراً. خلال هذه الفترة، ستتولى شركة “آي بي أم تيرمينالز”، التابعة لعملاق الشحن الدنماركي “ميرسك”، إدارة الميناءين بشكل مؤقت. وبعد انتهاء هذه الفترة، تخطط الحكومة لطرح مناقصة دولية جديدة لاختيار مشغل دائم، وفقاً لمعايير تضمن الشفافية والمصلحة الوطنية لبنما.
يمثل هذا التحول نقطة مفصلية في إدارة أحد أهم الأصول اللوجستية في العالم، ويعكس رغبة بنما في ممارسة سيطرتها الكاملة على بنيتها التحتية الحيوية، مع الموازنة بين علاقاتها مع القوى العالمية الكبرى.



