ميرتس يحذر من عالم تحكمه القوة وتفكك العلاقات الأمريكية الأوروبية

أطلق المستشار الألماني فريدريش ميرتس، تحذيرات شديدة اللهجة خلال مشاركته في فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مؤكداً أن العالم الذي لا تحكمه سوى القوة هو "مكان شديد الخطورة". وتأتي هذه التصريحات في توقيت حرج يشهد فيه النظام العالمي تحولات جذرية، أبرزها استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد النفوذ الجيوسياسي للصين، بالإضافة إلى التغيرات الجوهرية في العقيدة الأمنية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية.
دروس التاريخ ومخاطر الانزلاق نحو الهاوية
وفي كلمته التي لاقت صدى واسعاً، استدعى ميرتس دروس التاريخ المؤلمة، مشيراً إلى أن الاعتماد على منطق القوة المجردة لا يهدد الدول الصغيرة والمتوسطة فحسب، بل يطال الدول الكبرى أيضاً. وقال ميرتس: "في القرن العشرين، سلكت بلادي ألمانيا هذا الطريق حتى نهايته المريرة، وجرفت العالم معها إلى هاوية مظلمة"، في إشارة واضحة إلى ويلات الحرب العالمية الثانية والدمار الذي خلفته السياسات القائمة على التوسع والهيمنة العسكرية.
ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة في ظل السياق التاريخي للنظام العالمي الحديث، الذي تأسس بعد عام 1945 على قواعد القانون الدولي والمؤسسات الأممية لضمان عدم تكرار مآسي الماضي. ويرى مراقبون أن العودة إلى سياسات القوة تهدد بتقويض عقود من الاستقرار النسبي والتعاون الدولي، مما يضع العالم أمام سيناريوهات مفتوحة على المجهول.
تصدع التحالف عبر الأطلسي
على صعيد متصل، وفي سياق يعكس القلق الأوروبي المتزايد، حذّر نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، من أن العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة قد تكون "بصدد التفكك". وأشار كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً حقيبة المالية، خلال خطاب في المؤسسة الألمانية للأبحاث الاقتصادية (دي آي دبليو) في برلين، إلى أن أوروبا تمر بمرحلة حرجة تُثار فيها تساؤلات وجودية حول ثوابتها وتحالفاتها التقليدية.
وتأتي هذه المخاوف في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثارتها سياسات الرئيس دونالد ترامب، والتي تتسم بالتركيز على المصالح الوطنية الأمريكية الصرفة، مما يضع الشراكة الأوروبية الأمريكية أمام اختبار حقيقي. وأكد كلينغبايل أن "التحالف عبر الأطلسي يشهد تحولاً أعمق بكثير مما كنا نرغب في الاعتراف به حتى الآن"، مما يستدعي من القارة العجوز إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والاقتصادية.
تداعيات التحولات العالمية على أوروبا
إن التحذيرات الألمانية تعكس قلقاً أوروبياً واسع النطاق من تآكل النظام الدولي القائم على القواعد. فمع صعود قوى جديدة وتراجع الدور الأمريكي التقليدي كضامن للأمن الأوروبي، تجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها مضطرة للبحث عن استقلالية استراتيجية أكبر. هذا التحول لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد والتجارة، حيث تواجه أوروبا تحديات في الحفاظ على مصالحها في عالم يتجه نحو التكتلات المتنافسة والحمائية الاقتصادية.



