رسوم ترامب تهدد الصناعة الألمانية: أزمة غرينلاند تتصاعد

عادت حالة من الاضطراب الشديد لتخيم مجدداً على أوساط الصناعة الألمانية، التي كانت تأمل في التقاط أنفاسها بعد التوصل إلى اتفاق تجاري مؤقت بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن الأوروبية، حيث طالت برلين تهديدات جمركية أميركية جديدة ومفاجئة، أشعل فتيلها الخلاف الدبلوماسي المتجدد حول قضية غرينلاند.
خلفية الصراع: غرينلاند كبؤرة توتر جيوسياسي
لا تعد رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السيطرة على غرينلاند وليدة اللحظة، بل تعود لجذور استراتيجية تتعلق بموقع الجزيرة الحيوي في القطب الشمالي، وما تحتويه من موارد طبيعية نادرة ومعادن حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. وقد أدى الرفض الأوروبي، والدنماركي تحديداً، لهذه المساعي إلى تحويل الملف من مجرد عرض شراء عقاري دولي إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية، يستخدم فيها البيت الأبيض سلاح الرسوم الجمركية كأداة ضغط قصوى على الحلفاء قبل الخصوم.

الاقتصاد الألماني تحت المجهر
مع استهداف القطاع الصناعي، تهتز أركان اقتصاد الصادرات الألماني برمته، وهو الذي يُعد المحرك الرئيسي للاقتصاد الأوروبي. يأتي هذا في وقت حرج للغاية، حيث شهد إجمالي الناتج المحلي تحسناً طفيفاً جداً ليناهز 0.2% فقط في سنة 2025 بعد سنتين من الركود المؤلم. وفي هذا السياق، أورد كارستن برتسيزكي، الخبير الاقتصادي في “آي إن جي” (ING)، وصفاً دقيقاً للمشهد قائلاً: “هذه الرسوم الجمركية الجديدة ستكون مثل السم بالنسبة إلى ألمانيا”، مشيراً إلى أنها ستقوض “الانتعاش الهش القائم” الذي كانت تعول عليه برلين للخروج من عنق الزجاجة.
تداعيات الرسوم على خطط النمو
كانت برلين تعول بشكل كبير على تسارع النمو هذه السنة ليصل إلى 1.3%، مدفوعاً بحزم النفقات العامة الكبيرة الموجهة إلى البنى التحتية والدفاع، في محاولة لتحفيز الطلب الداخلي. لكن هذه التقديرات المتفائلة وُضعت قبل أن يهدد الرئيس الأميركي بقلب الطاولة عبر فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على واردات ثمانية بلدان، منها ألمانيا، اعتباراً من الأول من فبراير، مع التلويح بتصعيد خطير لتصل النسبة إلى 25% في يونيو، وذلك كورقة ضغط في ملف جزيرة غرينلاند الدنماركية.
صرخة القطاعات الصناعية
لم يتأخر رد الفعل من الداخل الألماني، حيث تساءل رئيس الاتحاد الألماني لصانعي الأدوات الآلية (VDW) بمرارة عن كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد. ويُذكر أن هذا القطاع يرزح أصلاً تحت وطأة رسوم جمركية أميركية سابقة بنسبة 50% على الفولاذ والألمنيوم، مما يرفع تكاليف الإنتاج بشكل جنوني. وقال المسؤول: “كيف لنا أن نستعد للأمر مع ماكينات تبلغ أصلاً مهل تسليمها ستة أشهر؟”، مما يعكس استحالة التكيف السريع مع القرارات السياسية المفاجئة.
من جانبه، أكد اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة (DMB)، التي تشكل العمود الفقري للصناعة في ألمانيا (Mittelstand)، أن التهديدات الأخيرة تشكل “مؤشراً شديد الخطورة”. وتأتي هذه الضغوط في وقت تعاني فيه الشركات الألمانية بالفعل من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة المستمر نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، مما يضع القدرة التنافسية للمنتج الألماني في الأسواق العالمية على المحك، وينذر بتراجع حصتها السوقية لصالح منافسين من آسيا وأميركا الشمالية.




