تنصيب زهران ممداني عمدة لنيويورك: عهد جديد لليسار الأمريكي

في لحظة تاريخية فارقة لمدينة نيويورك والسياسة الأمريكية بشكل عام، تولى زهران ممداني رسمياً مهام منصبه كرئيس لبلدية نيويورك، واعداً بتقديم نموذج حكم مغاير يثبت قدرة التيارات التقدمية واليسارية على إدارة كبريات المدن العالمية. وقد جاء خطاب التنصيب يوم الخميس ليضع حداً للتكهنات، حيث أكد العمدة الجديد عزمه على تحويل الشعارات الانتخابية إلى واقع ملموس يخدم سكان المدينة.
خطاب التحدي والوحدة
أمام حشد جماهيري غفير تحدى برودة الطقس القارس أمام مبنى البلدية في مانهاتن، وجه ممداني، البالغ من العمر 34 عاماً، رسالة واضحة للعالم وللمشككين في الداخل الأمريكي. وقال في كلمته: “سنكون محط متابعة لدى كثيرين. هم يريدون أن يعرفوا ما إذا كان اليسار يمكنه أن يحكم… يريدون أن يعرفوا ما إذا كان بالإمكان مجابهة التحديات التي تواجههم”. وأضاف بنبرة ملؤها الثقة: “لذا، باتحادنا وعزيمتنا، سنفعل ما يجيده سكان نيويورك: سنضرب مثالاً يُحتذى به للعالم”.
ويعكس هذا الخطاب إدراكاً عميقاً لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، خاصة وأن نيويورك تُعد العصب المالي للولايات المتحدة، ونجاح تجربة حكم “الاشتراكيين الديمقراطيين” فيها قد يعيد تشكيل الخارطة السياسية للحزب الديمقراطي بأسره.
دلالات الحضور السياسي: بين ساندرز وجيمس
لم تكن مراسم التنصيب مجرد إجراء بروتوكولي، بل حملت دلالات سياسية عميقة من خلال الشخصيات التي أشرفت على أداء اليمين. فبعد أن أدى اليمين الدستورية مساء الأربعاء أمام ليتيشيا جيمس، المدعية العامة لولاية نيويورك المعروفة بمواقفها الصلبة ونقدها اللاذع للرئيس دونالد ترامب، عاد ممداني ليؤدي اليمين جماهيرياً أمام أيقونة اليسار الأمريكي، السيناتور بيرني ساندرز.
وقد عبر ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت البالغ من العمر 84 عاماً، عن أهمية هذه اللحظة قائلاً: “في مرحلة من تاريخ بلادها تشهد الكثير من الكراهية والانقسام والظلم، أشكركم على انتخاب زهران ممداني رئيساً لبلدية نيويورك”. يمثل هذا الدعم من ساندرز تمريرًا للشعلة إلى جيل جديد من السياسيين التقدميين الذين يسعون لتطبيق سياسات العدالة الاجتماعية في المناصب التنفيذية.
أولويات المرحلة: مكافحة الغلاء والعدالة الاجتماعية
تعهد ممداني، المنتمي لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، بعدم التراجع عن وعوده الانتخابية التي ركزت بشكل أساسي على هموم المواطن العادي، وفي مقدمتها مكافحة غلاء المعيشة الذي أرهق سكان نيويورك في السنوات الأخيرة. وأكد في خطابه: “اعتباراً من اليوم، سنحكم بحزم وجرأة. قد لا ننجح دائماً، لكننا لن نُتَّهم أبداً بنقص الشجاعة أو التقصير”.
وتأتي هذه الوعود في سياق اقتصادي معقد تعيشه المدينة، حيث تتفاقم أزمات الإسكان وارتفاع تكاليف الخدمات. ومن المتوقع أن تركز سياسات ممداني القادمة على حماية المستأجرين، وتحسين شبكة النقل العام، ودعم الطبقة العاملة، وهي ملفات طالما ناضل من أجلها خلال مسيرته السياسية السابقة، مما يضع إدارته الجديدة تحت مجهر الاختبار الفعلي لقدرة الأفكار اليسارية على تقديم حلول عملية للأزمات الرأسمالية المعاصرة.



