محادثات برلين: زيلينسكي يؤكد التقدم في الضمانات الأمنية لأوكرانيا

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الجولة الأخيرة من المحادثات التي استضافتها العاصمة الألمانية برلين، والتي جمعته بموفدين أمريكيين رفيعي المستوى، قد أفضت إلى نتائج ملموسة وتقدم حقيقي في ملف الضمانات الأمنية لأوكرانيا، رغم وصفه للمفاوضات بأنها كانت "غير سهلة" وتخللتها نقاط خلافية جوهرية.
كواليس المفاوضات مع الجانب الأمريكي
لليوم الثاني على التوالي، انخرط زيلينسكي في نقاشات معمقة مع ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي. وتركزت هذه المباحثات حول صياغة اتفاق شامل يهدف إلى إنهاء الحرب المستمرة، استنادًا إلى مقترحات قدمتها واشنطن. ورغم الإيجابية التي طغت على ملف الحماية الأمنية، أقر الرئيس الأوكراني بوجود فجوة كبيرة في المواقف بشأن قضية "الأراضي"، مشيرًا إلى أن الضغوط الأمريكية لتقديم تنازلات إقليمية لا تزال تواجه رفضًا قاطعًا من القيادة في كييف التي تتمسك بسيادتها.
سياق الصراع والخلفية التاريخية
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة في وقت حساس للغاية من عمر الصراع الذي اندلع مع الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022. فمنذ ذلك الحين، تحولت الحرب إلى أكبر نزاع عسكري في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، مخلفةً دمارًا واسعًا وتغييرات جيوسياسية عميقة. وطوال السنوات الماضية، سعت أوكرانيا للحصول على عضوية كاملة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لضمان أمنها، إلا أن التوازنات الدولية ومخاطر التصعيد المباشر مع روسيا دفعت الحلفاء الغربيين للبحث عن بدائل توفر "ضمانات أمنية" فعالة دون الانضمام الفوري للحلف.
مقترح القوة الأوروبية والضمانات البديلة
في تطور لافت يعكس تغيرًا في الاستراتيجية الأوروبية، اقترح قادة الدول الأوروبية الكبرى والاتحاد الأوروبي في بيان مشترك نشر قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية داخل أوكرانيا. وبحسب المقترح، قد يصل قوام هذه القوة إلى نحو 800 ألف عنصر من دول متطوعة، وتعمل تحت إشراف أمريكي لمراقبة وقف إطلاق النار. وأبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس تفاؤله بهذا المسار، مشددًا على أن أي تهدئة يجب أن تدعمها ضمانات قانونية ومادية كبرى من الولايات المتحدة وأوروبا، لضمان عدم تجدد العدوان.
الأهمية الاستراتيجية للضمانات الجديدة
تحمل الضمانات الأمنية المطروحة حاليًا أهمية استراتيجية قصوى؛ إذ يشير المسؤولون الأمريكيون إلى أنها ستكون "قوية للغاية" وشبيهة بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو (التي تنص على الدفاع المشترك)، ولكن دون منح عضوية رسمية لكييف. هذا النموذج يهدف إلى ردع أي هجمات مستقبلية وتوفير مظلة حماية لأوكرانيا، مما يسمح لها بإعادة البناء والاستقرار. ومع ذلك، أوضح المسؤولون أن هذه الضمانات مرتبطة بالوضع الراهن ولن تكون مفتوحة إلى أجل غير مسمى، مما يضع ضغوطًا زمنية على جميع الأطراف للوصول إلى صيغة نهائية.
الموقف الروسي ومستقبل المنطقة
على الجانب الآخر، لا تزال موسكو متمسكة بشروطها المتشددة، حيث أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن روسيا تنتظر توضيحات حول المفهوم المناقش في برلين، مع إصرارها على تنازل أوكرانيا عن أراضٍ ووقف مساعي انضمامها للناتو. ويؤكد المراقبون أن نجاح محادثات برلين قد يرسم ملامح النظام الأمني الجديد في أوروبا لعقود قادمة، حيث اعتبر المستشار الألماني أن "مصير أوكرانيا هو مصير أوروبا بأسرها"، وأن السلام الدائم يتطلب أوكرانيا حرة وقادرة على الدفاع عن نفسها.



