أسلوب حياة

سر جاذبية البعوض لبعض الأشخاص: حقائق علمية وتفسيرات مذهلة

لطالما تساءل الكثيرون عن سبب تعرضهم لدغات الحشرات المستمرة بينما ينجو آخرون يجلسون بجوارهم تماماً. في الواقع، لا يعود الأمر للحظ، بل إن هناك تفسيرات علمية دقيقة تكشف سر جاذبية البعوض لبعض الأشخاص دون غيرهم. يحرز العلماء اليوم تقدماً ملموساً في فك شفرة المزيج الكيميائي المعقد الذي يجعل بعض الأجسام مغناطيساً طبيعياً لهذه الحشرات المزعجة والناقلة للأمراض، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم سلوكيات هذه الكائنات ومكافحتها بفعالية أكبر.

الروائح والحرارة: المحركات الأساسية خلف جاذبية البعوض

يوضح المختص في علم الحشرات الطبية لدى “معهد أبحاث التطوير” في فرنسا، فريدريك سيمار، أن انجذاب البعوض لبعض الأشخاص ليس مجرد اعتقاد خاطئ، بل هو حقيقة علمية مثبتة. وتعتمد إناث البعوض (وهي الوحيدة التي تلدغ للحصول على الدم اللازم لإنتاج البيض) على مستقبلات حسية فائقة الدقة لرصد ضحاياها. وتبدأ هذه العملية من مسافة تصل إلى عشرة أمتار، حيث ينجذب البعوض أولاً إلى غاز ثاني أكسيد الكربون الذي نخرجه مع الزفير. ومع اقتراب الحشرة، تلعب حرارة الجسم والرطوبة والروائح المنبعثة من الجلد دوراً حاسماً في تحديد الهدف النهائي واختيار الضحية الأكثر جاذبية.

تاريخ الأبحاث العلمية ودحض الخرافات الشائعة

على مدى أكثر من قرن، ركزت الأبحاث البيولوجية والطبية على دراسة سلوك الحشرات الناقلة للأمراض. ومنذ اكتشاف دور البعوض في نقل الأوبئة الفتاكة مثل الملاريا والحمى الصفراء في أواخر القرن التاسع عشر، حاول العلماء تحديد العوامل الجسدية التي تجذبها للبشر. ورغم الشائعات المنتشرة التي تربط بين فصيلة الدم أو لون البشرة والشعر وبين لدغات البعوض، يؤكد العلماء مثل فريدريك سيمار والباحث السويدي ريكارد إينييل أنه لا يوجد أساس علمي متين لهذه الادعاءات. فالدراسات التي أجريت في هذا الشأن كانت محدودة للغاية ولم تقدم أدلة قطعية، مما يعني أن لون البشرة أو فصيلة الدم لا علاقة لهما بالانجداب.

الميكروبيوم الجلدي والمركبات الكيميائية المحددة

السر الحقيقي يكمن في “الميكروبيوم” الخاص بجلد كل إنسان، وهو مزيج البكتيريا والزيوت الطبيعية التي تفرزها أجسادنا بشكل فريد. ينتج البشر ما بين 300 إلى 1000 مركب كيميائي عطري مختلف، وتختلف هذه النسب من شخص لآخر بشكل كبير. وفي دراسة حديثة قادها الباحث ريكارد إينييل على نوع من البعوض يُعرف باسم “الزعاجة المصرية” (الناقلة للحمى الصفراء وحمى الضنك)، تم اختبار جاذبية 42 امرأة في المختبر. وأظهرت النتائج أن النساء الأكثر جاذبية للبعوض، ومن بينهن نساء حوامل في الثلث الثاني من الحمل، أفرزن كميات مرتفعة من مركب كيميائي معين ينتج عن الزيوت الجلدية يُدعى “1-أوكتين-3-أول”، أو كحول الفطر. هذه الزيادة الطفيفة كانت كافية لإحداث فارق كبير وجذب البعوض بكثافة، مما يثبت دقة هذه الحشرات المذهلة في التقاط الروائح.

التأثيرات العالمية وتحديات التغير المناخي

لا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات العلمية على تجنب الحكة المزعجة فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن الصحي العالمي. ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة عالمياً، تشهد المناطق الجغرافية توسعاً ملحوظاً في انتشار البعوض الناقل للأمراض الخطيرة إلى مناطق جديدة لم تكن موبوءة سابقاً. على سبيل المثال، بدأ “بعوض النمر” الناقل لفيروس “شيكونغونيا” وحمى الضنك بالانتشار في مناطق جديدة، مثل منطقة الألزاس في شمال شرق فرنسا العام الماضي لأول مرة. هذا التوسع البيئي يضع ملايين البشر تحت خطر الإصابة بالأمراض الفيروسية، مما يجعل فهم كيمياء جذب البعوض أمراً حيوياً لتطوير طاردات حشرات أكثر فعالية وحماية المجتمعات محلياً ودولياً. وللوقاية، ينصح الخبراء دائماً بارتداء الملابس الفضفاضة التي تغطي الجلد، واستخدام شبكات الحماية (الناموسيات)، ومستحضرات طرد البعوض المعتمدة طبياً.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى