الصحة العالمية: لا علاقة بين اللقاحات والتوحد

في خطوة علمية حاسمة تهدف إلى طمأنة الرأي العام العالمي ودحض الشائعات المستمرة، أكدت لجنة سلامة اللقاحات التابعة لمنظمة الصحة العالمية، اليوم، أن المراجعات الشاملة والجديدة للأدلة العلمية لم تجد أي صلة تذكر بين تلقي اللقاحات والإصابة باضطراب طيف التوحد. ويأتي هذا الإعلان ليعزز النتائج التي توصلت إليها المنظمة والهيئات العلمية العالمية قبل أكثر من عقدين، مما يضع حداً للمخاوف التي تؤرق العديد من الآباء والأمهات حول العالم.
تفاصيل المراجعة العلمية الشاملة
قامت اللجنة الاستشارية العالمية لسلامة اللقاحات التابعة للمنظمة بإجراء تقييم دقيق لمراجعتين منهجيتين غطتا مجموعة واسعة من الدراسات الطبية التي نُشرت في الفترة الممتدة من عام 2010 وحتى أغسطس 2025. وقد ركزت هذه المراجعات على اللقاحات بشكل عام، مع تسليط الضوء بشكل خاص على اللقاحات التي تحتوي على مادة "الثيومرسال".
والثيومرسال هو مركب عضوي يحتوي على الزئبق ويستخدم كمادة حافظة في بعض اللقاحات لمنع تلوثها بالبكتيريا والفطريات. وقد كان هذا المركب لسنوات طويلة هدفاً لاتهامات غير مؤسسة من قبل الحركات المناهضة للتطعيم، التي روجت لفكرة مساهمته في الإصابة بالتوحد، وهو ما نفته الدراسات العلمية الحديثة نفياً قاطعاً وتاماً.
السياق التاريخي وجذور المخاوف
لفهم أهمية هذا الإعلان، يجب العودة إلى جذور هذا الجدل الذي بدأ في أواخر التسعينيات، حين نُشرت دراسة صغيرة ومثيرة للجدل (تم سحبها لاحقاً لعدم دقتها العلمية وتزوير بياناتها) زعمت وجود رابط بين لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) والتوحد. ورغم أن المجتمع العلمي دحض تلك المزاعم مراراً وتكراراً عبر آلاف الدراسات اللاحقة، إلا أن المخاوف ظلت راسخة في أذهان البعض، مما أدى إلى تراجع معدلات التطعيم في بعض المناطق وعودة ظهور أمراض كانت قد أوشكت على الانقراض.
المعايير العلمية الصارمة
أوضحت اللجنة في بيانها أن إثبات وجود علاقة سببية بين اللقاحات وأي نتائج صحية سلبية لا يتم إلا عندما تظهر العديد من الدراسات عالية الجودة، وبشكل مستمر، وجود ارتباط دال إحصائياً. وفي هذا السياق، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن 20 دراسة من أصل 31 دراسة تم مراجعتها لم تعثر على أي دليل يشير إلى وجود رابط، بينما الدراسات الأخرى التي قد تكون أشارت لنتائج مغايرة كانت تفتقر للجودة المنهجية أو الدلالة الإحصائية القوية التي يمكن الاعتماد عليها.
الأهمية الصحية وتأثير الإعلان
يكتسب هذا التأكيد الجديد أهمية بالغة على المستويين المحلي والدولي، حيث يواجه العالم تحديات صحية تتمثل في "تردد اللقاحات" الذي صنفته منظمة الصحة العالمية كواحد من أكبر عشرة تهديدات للصحة العالمية. من المتوقع أن يساهم هذا التقرير في:
- تعزيز ثقة الجمهور في برامج التحصين الوطنية.
- حماية الأطفال من أمراض خطيرة وقاتلة يمكن الوقاية منها باللقاحات.
- دعم الجهود الدولية للقضاء على الأوبئة ومنع تفشي الأمراض المعدية.
وختاماً، تشدد المنظمة على أن اللقاحات تعد واحدة من أكثر التدخلات الطبية أماناً وفعالية في تاريخ البشرية، وأن الفوائد المترتبة عليها تفوق بمراحل أي مخاطر جانبية نادرة محتملة.



