متلازمة العطاس الضوئي: الأسباب والمخاطر وطرق الوقاية

هل شعرت يوماً برغبة ملحة ومفاجئة في العطس بمجرد خروجك من غرفة مظلمة إلى ضوء الشمس الساطع؟ إذا كانت إجابتك نعم، فأنت لست وحدك، ولا داعي للقلق؛ فهذه الحالة تُعرف طبياً باسم “متلازمة العطاس الضوئي” (Photic Sneeze Reflex)، وهي ظاهرة بيولوجية شائعة أثارت فضول العلماء منذ القدم.
السياق التاريخي وانتشار الظاهرة
لم تكن هذه الظاهرة غائبة عن ملاحظات العلماء والفلاسفة عبر التاريخ؛ فقد كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو من أوائل من وثقوا هذه الحالة في كتابه “المشاكل” (Problems)، متسائلاً عن سبب استثارة العطس بواسطة حرارة الشمس، رغم أن العلم الحديث أثبت لاحقاً أن الضوء هو السبب وليس الحرارة. وتُعرف هذه المتلازمة في الأوساط الطبية الغربية اختصاراً بـ “ACHOO”، وتشير الإحصاءات العالمية إلى أن هذه الحالة وراثية بامتياز، حيث تؤثر على ما يقارب 18% إلى 35% من سكان العالم، مما يجعلها سمة بيولوجية مشتركة بين ملايين البشر وليست مرضاً نادراً.
ما هي متلازمة العطاس الضوئي؟
أوضح مجلس الصحة الخليجي أن متلازمة العطاس الضوئي هي استجابة لا إرادية تحدث لبعض الأشخاص نتيجة التعرض المفاجئ لضوء ساطع وقوي، وخاصة ضوء الشمس، مما يؤدي إلى نوبات عطاس متتالية. وتحدث هذه العملية بسرعة فائقة بمجرد انتقال الشخص من بيئة معتمة أو مظللة إلى بيئة شديدة الإضاءة.
التفسير العلمي: لماذا يحدث ذلك؟
تكمن الأسباب الرئيسية وراء هذه الظاهرة في تداخل الإشارات العصبية في الدماغ. وتشمل النظريات العلمية الأبرز ما يلي:
- تداخل العصب البصري والعصب ثلاثي التوائم: عند تعرض العين لضوء ساطع، يرسل العصب البصري إشارة لتضييق حدقة العين. ونظراً لقرب المسار العصبي، قد تلتقط فروع العصب ثلاثي التوائم (المسؤول عن الإحساس في الوجه والأنف) هذه الإشارة عن طريق الخطأ، فيترجمها الدماغ على أنها تهيج في الأنف، مما يطلق رد فعل العطس.
- العامل الوراثي: تعد هذه المتلازمة صفة وراثية سائدة، فإذا كان أحد الوالدين مصاباً بها، فإن احتمالية انتقالها للأبناء تكون مرتفعة جداً.
- فرط حساسية الجهاز العصبي: استجابة مبالغ فيها من القشرة البصرية لبعض المحفزات البيئية كالضوء القوي.
أعراض متلازمة العطاس الضوئي
تتميز هذه المتلازمة بمجموعة من الأعراض التي تظهر فور التعرض للمحفز الضوئي:
- عطاس مفاجئ وغير مبرر عند رؤية ضوء الشمس أو فلاش الكاميرا.
- شعور بوخز أو حكة داخل الأنف تسبق العطس.
- نوبات عطاس متتالية قد تصل في بعض الحالات إلى 10 عطسات متتابعة.
- دماع العينين أو انزعاج بصري مؤقت مرافق للعطس.
المخاطر والتأثيرات (السلامة العامة)
على الرغم من أن العطاس الضوئي يُصنف كحالة حميدة لا تشكل خطراً صحياً مباشراً، إلا أن توقيت حدوثه قد يحمل مخاطر تتعلق بالسلامة العامة:
- مخاطر القيادة: يعد العطاس المتكرر أثناء القيادة خطراً حقيقياً، حيث تغلق العينان لا إرادياً أثناء العطس، مما قد يتسبب في فقدان السيطرة على المركبة لعدة ثوانٍ، خاصة عند الخروج من نفق مظلم إلى ضوء النهار.
- الطيران والمهن الحساسة: يولي طب الطيران اهتماماً خاصاً لهذه الظاهرة، حيث يمكن أن تشكل خطراً على الطيارين أثناء المناورات الحرجة التي تتطلب تركيزاً بصرياً مستمراً.
- الإحراج الاجتماعي: قد تسبب نوبات العطاس القوية والمتكررة حرجاً في المواقف الاجتماعية أو الاجتماعات الرسمية.
طرق التشخيص والعلاج والوقاية
يعتمد التشخيص عادةً على التاريخ الطبي وسؤال المريض عن توقيت الأعراض، بالإضافة إلى الفحص السريري لاستبعاد مسببات الحساسية الأخرى. ورغم عدم وجود “علاج” نهائي لهذه السمة الوراثية، إلا أنه يمكن إدارة الأعراض والوقاية منها عبر:
- ارتداء النظارات الشمسية: استخدام نظارات شمسية ذات جودة عالية وحماية من الأشعة فوق البنفسجية قبل الخروج إلى الشمس يقلل بشكل كبير من تحفيز العصب البصري.
- القبعات والمظلات: استخدام قبعات ذات حواف عريضة لحجب الضوء المباشر عن العينين.
- تقنية الضغط (Philtral Pressure): وضع إصبع والضغط برفق على المنطقة الواقعة بين الأنف والشفة العليا (النثرة) قد يرسل إشارات تعترض رغبة العطس.
- التدرج في التعرض للضوء: محاولة عدم النظر مباشرة إلى مصدر الضوء عند الانتقال من الظلام إلى النور.



