عاصفة قطبية تضرب أمريكا: 21 قتيلاً وانقطاع الكهرباء

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أسوأ الكوارث المناخية في تاريخها الحديث، حيث تسببت عاصفة قطبية عاتية في شلل تام لمظاهر الحياة في مساحات شاسعة من البلاد. وقد أسفرت هذه الموجة المتجمدة عن وفاة 21 شخصاً على الأقل، بينما وجد أكثر من 800 ألف منزل أنفسهم في ظلام دامس نتيجة انهيار شبكات الطاقة تحت وطأة الجليد والثلوج.
تجمد الشمال وشلل الجنوب
وفقاً لبيانات هيئة الأرصاد الجوية الوطنية، استيقظ سكان منطقة البحيرات العظمى وشمال البلاد على درجات حرارة قياسية انخفضت إلى ما دون 20 درجة مئوية تحت الصفر، وسجلت ولايات مثل مينيسوتا وويسكونسن أرقاماً مرعبة وصلت إلى 30 درجة تحت الصفر. وتشير التوقعات إلى أن الأسوأ لم يأتِ بعد، حيث يُنتظر أن تؤدي كتلة هوائية قطبية جديدة إلى خفض الحرارة المحسوسة إلى 45 درجة مئوية تحت الصفر في مناطق وسط البلاد.
ولم تقتصر المعاناة على الشمال المعتاد على البرودة، بل امتدت الآثار المدمرة إلى الجنوب. فقد تسبب تساقط الثلوج بكثافة تجاوزت 30 سنتيمتراً في نحو 20 ولاية في انقطاع واسع للتيار الكهربائي. وأفاد موقع "باور أوتج" المتخصص بأن 820 ألف مشترك عانوا من انقطاع الكهرباء، وتركزت الأضرار في ولايات جنوبية مثل تينيسي (250 ألف متضرر) وميسيسيبي (150 ألف متضرر)، حيث تسببت الأوزان الثقيلة للجليد في انهيار خطوط الكهرباء.
خسائر بشرية ومادية فادحة
دفعت الظروف المناخية القاسية فاتورة باهظة من الأرواح، حيث أكدت السلطات وفاة 21 شخصاً في حوادث متفرقة مرتبطة بالطقس. في تكساس، توفيت فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً في حادث تزلج، بينما سجلت لويزيانا وفيات ناتجة عن انخفاض حرارة الجسم، وشهدت أيوا حوادث تصادم مميتة.
وفي مدينة نيويورك، أعلن رئيس البلدية زهران ممداني عن مأساة إنسانية تمثلت في العثور على 5 أشخاص متوفين في العراء، مشيراً إلى أن هذا الحدث يمثل "تذكيراً قوياً بهشاشة وضع السكان المشردين أمام قسوة الطبيعة".
ما هي الدوامة القطبية؟ (سياق علمي)
لفهم طبيعة ما يحدث، يشير خبراء المناخ إلى أن هذه الظاهرة ترتبط بما يسمى "الدوامة القطبية" (Polar Vortex)، وهي منطقة واسعة من الضغط المنخفض والهواء البارد تحيط بقطبي الأرض. عادة ما تدور هذه الرياح القوية عكس اتجاه عقارب الساعة لتبقي الهواء البارد محصوراً في القطب الشمالي. ومع ذلك، عندما تضعف هذه الدوامة أو تضطرب – كما يحدث حالياً – يهرب الهواء المتجمد ويندفع جنوباً نحو القارة الأمريكية، مما يخلق ظروفاً مناخية متطرفة في مناطق غير معتادة على مثل هذا البرد القارس.
تأثيرات اقتصادية وانهيار في قطاع النقل
تجاوزت تداعيات العاصفة الجانب الإنساني لتضرب عصب الاقتصاد والنقل. فقد أعلنت حالة الطوارئ في 20 ولاية إضافة إلى العاصمة واشنطن. وأصيبت حركة الطيران بشلل شبه كامل، حيث ألغيت أكثر من 19 ألف رحلة جوية وتأخرت الآلاف، مما تسبب في خسائر اقتصادية فادحة لشركات الطيران وتعطل سلاسل الإمداد في وقت حرج.
وتواجه الولايات الجنوبية تحدياً خاصاً، حيث تفتقر بنيتها التحتية للتجهيزات اللازمة لمواجهة التجمد، مما يجعل استعادة التيار الكهربائي وإصلاح الطرق عملية معقدة قد تستغرق أياماً، وفقاً لخبيرة الأرصاد أليسون سانتوريلي.
جدل سياسي ومناخي
وفي خضم هذه الأزمة، عاد الجدل السياسي حول التغير المناخي للواجهة. فبينما يرى العلماء أن الاحترار العالمي قد يساهم في تكرار اضطرابات الدوامة القطبية، استغل الرئيس دونالد ترامب الحدث للتشكيك في ظاهرة الاحتباس الحراري عبر منصته "تروث سوشال"، متسائلاً بسخرية عن مكان "الاحترار" وسط هذا الصقيع، وهو ما يعكس الانقسام المستمر في الداخل الأمريكي حول كيفية التعامل مع الملفات البيئية.



