الجلطات الوريدية بعد الجراحة: الأسباب وطرق الوقاية والعلاج

تُعد سلامة المرضى بعد العمليات الجراحية من الأولويات القصوى في الطب الحديث، حيث لم يعد نجاح العملية يقتصر على الإجراء الجراحي فحسب، بل يمتد ليشمل فترة التعافي وتجنب المضاعفات الخطيرة. وفي هذا السياق، شدّد استشاري الجراحة العامة وجراحة الجهاز الهضمي، الدكتور مجد الحدادين، على أن الجلطات الوريدية تتربع على قائمة أخطر المضاعفات التي قد تعقب العمليات الجراحية الكبرى، مشيراً إلى أنها تشكل سبباً رئيسياً للوفيات ما بعد الجراحة إذا لم يتم التعامل معها بوعي طبي وإجراءات وقائية صارمة.
مفهوم الانصمام الخثاري الوريدي ومخاطره
أوضح الدكتور الحدادين أن مصطلح "الجلطة الوريدية" في السياق الجراحي يشمل طيفاً من الحالات الخطرة، أبرزها تجلط الأوردة العميقة (DVT) الذي يصيب عادة الأطراف السفلية أو الحوض، والانصمام الرئوي (PE) الذي يحدث نتيجة انتقال الخثرة الدموية عبر الدورة الدموية لتستقر في الرئتين. ويُعرف هذا المزيج طبياً بالانصمام الخثاري الوريدي (VTE)، وهو هاجس يؤرق الجراحين نظراً لسرعة تطوره وتأثيره المباشر على حياة المريض.
عوامل الخطر: من التاريخ المرضي إلى طبيعة الجراحة
لا تحدث الجلطات بشكل عشوائي، بل ترتبط بمجموعة من عوامل الخطر التي تزيد من احتمالية الإصابة. وقد لفت الاستشاري إلى أن أبرز هذه العوامل تشمل:
- الحالة الصحية للمريض: مثل الإصابة بالسرطان النشط، التقدم في العمر، والسمنة المفرطة.
- طبيعة الجراحة: تزداد الخطورة في جراحات الحوض، العظام، والعمليات التي تستغرق وقتاً طويلاً.
- الإجراءات أثناء الجراحة: مثل وضعية المريض، واستخدام العاصبة الجراحية التي قد تعيق تدفق الدم.
- ما بعد الجراحة: قلة الحركة وعدم تحريك الأطراف السفلية لفترات طويلة يُعد عاملاً حاسماً في تكون الجلطات.
استراتيجيات الوقاية: بين الحلول الميكانيكية والدوائية
أكد الدكتور الحدادين أن البروتوكولات الطبية العالمية الحديثة توصي بنهج وقائي مزدوج للحد من هذه المخاطر. ينقسم هذا النهج إلى:
1. الوقاية الميكانيكية
تعتمد على وسائل فيزيائية لتحسين تدفق الدم، وتشمل التحريك المبكر للمريض فور استقرار حالته، ممارسة تمارين القدم والساق، ارتداء الجوارب الضاغطة المتدرجة، واستخدام أجهزة الضغط الهوائي المتقطع التي تحاكي حركة المشي وتمنع ركود الدم.
2. الوقاية الدوائية
تتضمن استخدام مضادات التخثر مثل الوارفارين، الهيبارين التقليدي، والهيبارين منخفض الوزن الجزيئي. وأشار الدكتور إلى أن فترة العلاج الوقائي قد تمتد لتصل إلى 28 يوماً في الحالات عالية الخطورة، مشدداً على أن اختيار الدواء والجرعة يعتمد على تقييم دقيق يوازن بين خطر التجلط وخطر النزيف، مع مراعاة الحالة السريرية وتفضيلات المريض.
الأثر الاقتصادي والصحي
لا يقتصر تأثير الجلطات الوريدية على الجانب الصحي وتهديد حياة المريض فحسب، بل يمتد ليشكل عبئاً اقتصادياً كبيراً على المنظومة الصحية نتيجة تكاليف العلاج المطول وإعادة التنويم في المستشفيات. ومن هنا، تأتي أهمية الالتزام بالبروتوكولات الوقائية كخيار أمثل لخفض التكاليف وحماية الأرواح.
واختتم الدكتور الحدادين حديثه بالتأكيد على ضرورة وجود بروتوكولات مؤسسية واضحة تدمج بين الجهود الطبية والتمريضية، مع التركيز على تثقيف المريض حول أهمية المشي المبكر والالتزام بالخطة العلاجية لضمان تعافٍ آمن وخالٍ من المضاعفات.



