وفد الشيوخ الأمريكي في جرينلاند: ترميم الثقة بعد تصريحات ترامب

وصل وفد رفيع المستوى من مجلس الشيوخ الأمريكي إلى جرينلاند يوم الاثنين، في زيارة دبلوماسية تهدف بشكل أساسي إلى إعادة بناء الثقة وترميم العلاقات التي تصدعت مؤخراً، عقب تجدد التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في الاستحواذ على الجزيرة. وتأتي هذه الزيارة كمحاولة لطمأنة الحلفاء في القطب الشمالي بأن الولايات المتحدة ملتزمة بالشراكة الاستراتيجية القائمة على الاحترام المتبادل، بعيداً عن النظرة التجارية للأراضي السيادية.
رسائل طمأنة من الكونجرس
وقالت السيناتور الجمهورية ليزا موركوفسكي، التي تقود الوفد، في مؤتمر صحفي عقدته في العاصمة نوك: "ببضع جمل وبضع كلمات، الثقة التي أرسيت منذ الحرب العالمية الثانية تآكلت وانهارت، وعلينا العمل على إعادة بنائها". وأضافت موجهة حديثها للمسؤولين في جرينلاند: "نحن هنا لتذكيركم بأن رئيسنا يمكنه أن يدلي ببعض التصريحات، لكن لنا دورًا نؤديه أيضًا، بوصفنا أعضاء في الكونجرس نمثل صوت الشعب والمؤسسات التشريعية".
ويضم الوفد، إضافة إلى موركوفسكي، السيناتور المستقل أنجوس كينج والديمقراطيين جاري بيترز وماجي حسن، مما يعكس توافقاً بين الحزبين في واشنطن على أهمية الحفاظ على التحالف مع الدنمارك وجرينلاند. وقد زار الوفد القاعدة العسكرية الأمريكية الاستراتيجية في "بي توفيك" (قاعدة ثول سابقاً)، والتقى بمسؤولين رفيعين، من بينهم وزير الخارجية فيفان موتزفيلد، لبحث سبل التعاون المشترك.
الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي
لا تقتصر أهمية هذه الزيارة على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل تنبع من الأهمية الجيوسياسية المتزايدة لجرينلاند. فالجزيرة تقع في موقع حيوي بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا، وتعتبر بوابة للقطب الشمالي الذي يشهد تنافساً دولياً متصاعداً مع ذوبان الجليد وفتح ممرات ملاحية جديدة. وتخشى واشنطن من تزايد النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، مما يجعل الحفاظ على علاقة قوية ومستقرة مع حكومة جرينلاند والدنمارك ضرورة للأمن القومي الأمريكي.
وتاريخياً، تعود الأطماع الأمريكية في الجزيرة إلى عقود مضت، حيث عرض الرئيس هاري ترومان شراء الجزيرة في عام 1946، إلا أن السياق الحالي يختلف جذرياً مع تطور مفاهيم السيادة وحقوق الشعوب الأصلية. وتستضيف الجزيرة رادارات الإنذار المبكر الأمريكية الحيوية للدفاع الصاروخي، مما يجعل أي توتر سياسي خطراً على منظومة الدفاع الغربية.
الخطوط الحمراء والسيادة
وكان ترامب قد أثار غضباً واسعاً في يناير بإعلانه نيته السيطرة على الجزيرة ذات الحكم الذاتي والخاضعة للسيادة الدنماركية، ملوحاً باستخدام القوة إذا لزم الأمر، قبل أن يتراجع لاحقاً ليعلن عن إطار للتفاوض مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته. ورغم هذا التراجع، شكلت الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة مجموعة عمل لبحث القضية.
وفي هذا السياق، أكد السيناتور جاري بيترز: "علينا الآن أن نستعيد الثقة.. نعدكم أصدقاء، نريد أن تعدوننا أيضًا أصدقاء لكم". وتؤكد الدنمارك وجرينلاند أنهما تتشاركان مع واشنطن المخاوف الأمنية، لكنهما تشددان بشكل قاطع على أن السيادة ووحدة الأراضي تشكلان "خطاً أحمر" لا يمكن تجاوزه في أي محادثات ثلاثية، وأن الجزيرة منفتحة للأعمال والتعاون، ولكنها ليست للبيع.



