كاوست تبتكر تقنية لتحويل مخلفات الطعام لمواد ثمينة

في خطوة تعكس التطور المتسارع لقطاع البحث والتطوير في المملكة العربية السعودية، سجلت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) إنجازاً علمياً جديداً يضاف إلى سجلها الحافل بالابتكارات. فقد نجح فريق بحثي في تطوير تقنية متقدمة تهدف إلى تحويل مخلفات الطعام، وبالأخص النواتج الثانوية لصناعة الشيكولاتة، إلى مواد ذات قيمة اقتصادية وصحية عالية، مما يرسخ مفاهيم الاستدامة البيئية والاقتصاد الدائري.
تفاصيل الابتكار: من مخلفات إلى صبغات نادرة
نُشرت نتائج هذا البحث الرائد في مجلة (Trends in Biotechnology) العالمية، حيث ركز الفريق بقيادة البروفيسور المشارك كايل لورسن على استخدام سلالة فريدة من الطحالب الحمراء تُدعى (Galdieria yellowstonesis). تمكن العلماء من تطويع هذه الطحالب لتتغذى على السكريات المتوفرة في مخلفات مصانع الشيكولاتة، لتنتج مادة حيوية تُعرف بـ (C-phycocyanin). وتُعد هذه المادة صبغة زرقاء نادرة ومرتفعة الثمن، وتدخل في العديد من الصناعات الحيوية مثل الأغذية، ومستحضرات التجميل، والصناعات الدوائية.
سياق عالمي: أزمة الهدر الغذائي والحلول المستدامة
تأتي أهمية هذا الابتكار في وقت يواجه فيه العالم تحديات بيئية جسيمة، أبرزها قضية الهدر الغذائي وتراكم النفايات الصناعية التي تساهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. إن تحويل هذه النفايات إلى موارد مفيدة لا يقلل فقط من العبء البيئي، بل يقدم حلاً لمشكلة ندرة الملونات الطبيعية. ففي حين تعتمد الكثير من الصناعات على الملونات الكيميائية، يزداد الطلب العالمي على البدائل الطبيعية الآمنة، وهو ما توفره تقنية “كاوست” بكفاءة عالية.
جدوى اقتصادية وميزة تنافسية
من الناحية الاقتصادية، يحمل هذا الاكتشاف وعوداً كبيرة. فمادة الفيكوسيانين (phycocyanin) التي تنتجها هذه الطحالب معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) كمنتج آمن. وتشير التوقعات الاقتصادية إلى أن حجم السوق العالمي لهذه المادة قد يتخطى حاجز 275 مليون دولار بحلول عام 2030. وما يميز تقنية كاوست عن الطرق التقليدية المعتمدة على البكتيريا الزرقاء، هو انخفاض التكلفة التشغيلية؛ حيث تنمو طحالب (Galdieria) في بيئات حامضية وحارة تمنع نمو الملوثات الأخرى، مما يضمن نقاء المنتج ويسهل عمليات التصنيع.
دعم رؤية المملكة 2030 والاقتصاد الدائري للكربون
يتناغم هذا الإنجاز بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، التي تضع الاقتصاد الدائري للكربون في صلب اهتماماتها. فالدراسة لم تكتفِ بتحويل المخلفات الصلبة، بل أثبتت أن تعريض الطحالب لمستويات عالية من ثاني أكسيد الكربون يعزز من نموها، مما يعني استهلاكاً للكربون وتقليلاً للانبعاثات.
وقد اعتمد الباحثون على مخلفات حقيقية من مصانع شيكولاتة محلية، مما يؤكد قابلية التطبيق داخل المملكة. ويجري العمل حالياً على دراسة توسيع نطاق الإنتاج صناعياً، مما يفتح الباب أمام القطاع الخاص السعودي لتبني تقنيات خضراء تساهم في تنويع الاقتصاد الوطني والحفاظ على البيئة.



