ملتقى طويق للنحت: كيف تحولت الرياض لوجهة عالمية للفنون؟

على مدى سبع نسخ متتالية من الإبداع المستمر، نجح ملتقى طويق للنحت في إعادة تعريف المشهد الفني في العاصمة السعودية، مرسخاً موقع مدينة الرياض بوصفها حاضنة عالمية كبرى لتجارب النحت المفتوح. لم يعد الحدث مجرد فعالية سنوية عابرة، بل تحول إلى ممارسة ثقافية حية تتقاطع فيها العملية الإبداعية مع الحياة اليومية للسكان والزوار، حيث يُقدَّم العمل الفني كمسار يُشاهَد ويُعاش لحظة بلحظة، لا كنتيجة نهائية معزولة داخل جدران المتاحف.
مفهوم النحت الحي.. الفن في قلب المدينة
يقوم جوهر الملتقى على مفهوم «النحت الحي»، وهو نمط فني عالمي تُنجز فيه الأعمال في الفضاءات العامة المفتوحة. تتيح هذه الممارسة للجمهور فرصة نادرة لمتابعة مراحل تحويل الكتل الصخرية الصامتة إلى أعمال فنية ناطقة، مما يجعل المتلقي شريكاً في التجربة الفنية في الزمن الحقيقي. وقد اكتسبت تجربة الرياض خصوصية فريدة من نوعها بفضل الاستمرارية والاندماج الحضري، مما منحها طابعاً مستداماً يختلف عن المبادرات المؤقتة.
سياق عالمي ونموذج محلي متفرد
تاريخياً، ارتبطت تجارب النحت في الهواء الطلق بمبادرات عالمية مرموقة حولت الطبيعة إلى متاحف بلا جدران، مثل معرض "Sculpture by the Sea" في أستراليا، وحديقة "Yorkshire Sculpture Park" في المملكة المتحدة، ومواقع مثل "Fattoria di Celle" في إيطاليا. وفي هذا السياق التنافسي، جاءت تجربة طويق للنحت لتضع الرياض بقوة على هذا المسار العالمي، ولكن بنموذج محلي متماسك يقوم على التراكم المعرفي والفني، مستلهماً من صلابة جبال طويق التي ترمز للهمة السعودية.
حوار الحضارات عبر الفن
منذ انطلاقه عام 2019، استطاع الملتقى أن يجمع أكثر من 170 فنانًا من المملكة ومختلف قارات العالم. هؤلاء الفنانون عملوا في بيئة موحدة وبخامات محلية متقاربة، مما خلق حواراً فنياً عابراً للثقافات يتجاوز الحواجز اللغوية. هذا التفاعل المباشر أسهم في بناء جسور من التفاهم الإنساني، وعزز ثقة المؤسسات الثقافية الدولية في قدرة الرياض على إدارة واستضافة فعاليات فنية ضخمة بمعايير عالمية.
الرياض آرت.. تحسين جودة الحياة
لا يمكن فصل ملتقى طويق للنحت عن السياق الأوسع المتمثل في مشروع «الرياض آرت»، أحد المشاريع الأربعة الكبرى التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- وتشرف عليها الهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض. يهدف هذا المشروع الطموح إلى تحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح يمزج بين الأصالة والمعاصرة، بما ينسجم تماماً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تحسين جودة الحياة ودعم الاقتصاد الإبداعي.
أثر مستدام وملامح المستقبل
تكمن القوة الحقيقية لتجربة طويق في استدامتها؛ فالأعمال المنجزة لا تنتهي بانتهاء الملتقى، بل يتم توزيعها لاحقاً لتزين الساحات والحدائق والأماكن العامة في الرياض، لتصبح جزءاً أصيلاً من الذاكرة البصرية للمدينة. وتأتي نسخة هذا العام تحت شعار «ملامح ما سيكون»، لتعبر عن دور الفن في استشراف المستقبل، مؤكدة أن الرياض ليست مجرد مستضيف للفن، بل هي صانعة له، ومدينة تنمو ثقافياً بثقة لتصبح منارة إشعاع حضاري في المنطقة والعالم.



