تحويل المزارع الوقفية بالمدينة لوجهات استثمارية: خارطة طريق جديدة

في خطوة تعد الأولى من نوعها لتعزيز استدامة القطاع غير الربحي، أطلقت اللجنة العلمية لحلقة نقاش «المزارع الوقفية» التي استضافتها المدينة المنورة، خارطة طريق شاملة تهدف إلى إحداث تحول جذري في مفهوم وآليات عمل الوقف الزراعي في المملكة العربية السعودية. وتضمنت الخارطة حزمة من التوصيات الاستراتيجية التي تركز على إعادة الهيكلة التشريعية والاستثمارية لهذا القطاع الحيوي.
عمق تاريخي وأهمية استراتيجية
تكتسب هذه المبادرة أهميتها القصوى من مكان انطلاقها، حيث تعد المدينة المنورة مهد الأوقاف الإسلامية عبر التاريخ، بدءاً من أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم. ولا يقتصر الحديث هنا عن مجرد أراضٍ زراعية، بل عن إرث حضاري يمتد لقرون، يواجه اليوم تحديات تتطلب حلولاً عصرية تضمن استمراريته ونموه. ويأتي هذا الحراك في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي والمحلي بقضايا الأمن الغذائي، مما يجعل من تطوير المزارع الوقفية ضرورة ملحة وليست ترفاً، لتعزيز المخزون الغذائي الاستراتيجي للمملكة.
حوكمة صارمة ونقلة تشريعية
وضعت اللجنة العلمية في صدارة أولوياتها ضرورة إحداث نقلة نوعية في الأطر التشريعية والتنظيمية الناظمة لعمل المزارع الوقفية لتواكب المتغيرات الاقتصادية الحديثة. وشددت التوصيات على حتمية تبني نماذج حوكمة مالية وإدارية صارمة تضمن أعلى معايير الكفاءة والشفافية في إدارة هذه الأصول الحيوية، بما يضمن حماية أعيان الوقف وتعظيم ريعه.
الابتكار والشراكات الذكية
طالب الخبراء المشاركون بضرورة الخروج من عباءة الاستثمار التقليدي إلى تنويع المصادر، وتعزيز الشراكات الذكية بين القطاع الوقفي والقطاعين العام والخاص. ودعت اللجنة إلى توظيف مخرجات البحث العلمي والتقنيات الزراعية الذكية لرفع الإنتاجية، معتبرة أن الابتكار هو الرهان الرابح لاستدامة الوقف الزراعي في ظل تحديات شح المياه والتغير المناخي.
السياحة الزراعية: مفهوم جديد للوقف
وفي خطوة لتوحيد الجهود، اقترحت التوصيات إنشاء «منصة وطنية» جامعة، تكون بمثابة جسر يربط الواقفين والنظار بمراكز الأبحاث والقطاعات الاستثمارية لإطلاق مشاريع مشتركة. كما وجهت اللجنة بضرورة صياغة أدلة وطنية متخصصة لإدارة «المزارع الوقفية السياحية»، تتضمن آليات تسويقية مبتكرة ومؤشرات دقيقة لقياس الأثر التنموي لهذا النمط الجديد، مما يفتح آفاقاً لدمج السياحة البيئية مع العمل الخيري.
الانسجام مع رؤية المملكة 2030
تأتي هذه التحركات انسجاماً تاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، الرامية إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%، بالإضافة إلى تحقيق الأمن الغذائي المستدام. وقد شهدت الحلقة حضوراً نوعياً لنخبة من أصحاب المعالي وصناع القرار، واكتسبت مصداقية عالية خاصة بعد تتويج أوقاف الجامعة الإسلامية مؤخراً بجائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز للتميز، نظير مبادرتها الرائدة في هذا المجال.



