التراث والثقافة

فن التعشير يحيي مزارع الورد الطائفي ويعكس تراثاً أصيلاً

تتألق مدينة الطائف في كل عام بعبق أزهارها، حيث يُجسد موروث “التعشير” أحد أبرز الطقوس الزراعية المرتبطة بزراعة وحصاد الورود. ومع حلول مواسم الإزهار، تدب الحياة في مزارع الورد الطائفي، لتعكس جانباً مشرقاً من الهوية الثقافية المتجذرة في محافظة الطائف، والتي تُعد من أهم وأشهر مناطق إنتاج الورد العطري في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط. وقد رصدت وكالة الأنباء السعودية حضور هذا الموروث الشعبي الأصيل في عدد من المزارع، حيث تتردد الأهازيج الجماعية والأصوات الإيقاعية بين الحقول أثناء جني الورد، في مشهد بديع يعكس روح التعاون والألفة بين المزارعين، ويضفي على ساعات العمل الشاقة طابعاً اجتماعياً يمزج بين النشاط الزراعي وعبق الأصالة.

جذور فن التعشير وتاريخه العريق

يُعد فن التعشير من الفنون الشعبية الفلكلورية القديمة التي ارتبطت بتاريخ شبه الجزيرة العربية، وتحديداً في منطقة الحجاز والطائف. في الماضي، كان هذا الفن يُمارس كنوع من الاستعراض العسكري لبث الحماس في نفوس المحاربين قبل المعارك، وللتعبير عن الفرحة والانتصار عند العودة. ومع مرور الزمن، تحول هذا الطقس من ساحات الوغى إلى ميادين الاحتفالات ومواسم الحصاد الزراعي. إن ارتباط هذا الفن بمواسم الزراعة يعكس تحولاً ثقافياً مهماً، حيث أصبح وسيلة للتعبير عن الفرح بوفرة المحصول وشكر الله على النعم. وتتجلى روعة هذا الإرث في تناقله عبر الأجيال، حيث يحرص الآباء والأجداد على تعليم الأبناء تفاصيل هذا الفن، مما يضمن بقاءه حياً في الذاكرة الوطنية.

طقوس الحصاد داخل مزارع الورد الطائفي

أوضح مزارع الورد غازي النمري أن “التعشير” لم يعد مجرد أداء صوتي أو حركي عابر، بل أصبح رمزاً لهوية المهنة داخل مزارع الورد الطائفي. يسهم هذا الفن بشكل كبير في رفع المعنويات والتحفيز خلال فترة الحصاد التي تتطلب جهداً بدنياً متواصلاً يبدأ من ساعات الفجر الأولى. وأفاد النمري أن “التعشير” يتضمن أداءً حركياً استعراضياً مبهراً باستخدام بندقية “المقمع” التقليدية. تُنفذ من خلال هذه البندقية حركات متقنة وأنماط متعددة تتطلب لياقة ومهارة عالية. ويعتمد هذا الفن على استخدام بارود تقليدي يُعبأ وفق خطوات دقيقة وآمنة تشمل الدك والإشعال عبر قطعة نحاسية تُعرف بـ”الزرد”. وعندما يقفز المؤدي في الهواء ويطلق البارود، تتشكل سحابة من الدخان تمتزج مع رائحة الورد، لتخلق لوحة فنية لا تُنسى.

الأثر السياحي والاقتصادي لموسم الورد

تتجاوز أهمية هذا الموروث الثقافي حدود الترفيه المحلي، ليلعب دوراً محورياً في تعزيز الجذب السياحي والاقتصادي للمملكة. على الصعيد المحلي، يخلق هذا الحدث حراكاً تجارياً نشطاً يدعم المزارعين والأسر المنتجة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد أصبحت الطائف وجهة سياحية بارزة يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم للتعرف على تفاصيل هذه الطقوس والاستمتاع بالأجواء التراثية التي تعكس أصالة المكان. إن دمج الفنون الشعبية مثل التعشير مع السياحة الزراعية يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى إبراز التراث الثقافي السعودي وتطوير قطاع السياحة كرافد أساسي للاقتصاد الوطني. وبذلك، يتحول موسم قطاف الورد من مجرد حدث زراعي إلى مهرجان ثقافي عالمي يحتفي بالأرض والإنسان.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى