المدير المباشر والاستقالة: 82% يتركون العمل بسببه

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل العالمي، لم تعد الرواتب المرتفعة أو المسميات الوظيفية البراقة هي العامل الوحيد أو حتى الأهم في الحفاظ على الكفاءات البشرية. كشفت دراسات عالمية حديثة عن تحول جذري في مفاهيم الاستقرار الوظيفي، حيث باتت جودة الإدارة المباشرة تتصدر قائمة الأولويات للموظفين، متفوقة بذلك على الحوافز المالية التقليدية.
المدير المباشر: حجر الزاوية في معادلة البقاء
أكدت مختصة الموارد البشرية، الدكتورة دعاء ميرة، في تصريحات لـ «اليوم»، أن القيادة اليومية أصبحت العامل الحاسم في قرارات الاستقالة أو الاستمرار. وتشير البيانات إلى أن المدير المباشر لم يعد مجرد حلقة وصل إدارية لتنفيذ المهام، بل تحول إلى العنصر الأهم في معادلة الأمان الوظيفي والشعور بالانتماء، متجاوزاً في تأثيره السمعة العامة للمؤسسة الكبرى.
وتدعم الأرقام هذا التوجه بقوة، حيث أقر 82% من الموظفين بأنهم فكروا جدياً في ترك وظائفهم بسبب سوء الإدارة، بغض النظر عن المقابل المالي الذي يتقاضونه. هذه النسبة المرتفعة تدق ناقوس الخطر للشركات التي تهمل تطوير مهارات قادتها.
الأثر النفسي والمهني للإدارة السيئة
لا يقتصر تأثير المدير السيئ على اللحظة الراهنة، بل يمتد ليضرب عمق الصحة النفسية للموظف. أوضحت الدكتورة ميرة أن الإدارة السيئة تتسبب في استنزاف الكفاءات وتكبيد المؤسسات خسائر بشرية وتنظيمية يصعب تعويضها. ومن أبرز السلوكيات الطاردة:
- الإدارة الدقيقة (Micromanagement): التي تسلب الموظف استقلاليته وتقتل روح الإبداع.
- غياب التقدير: مما يجعل الموظف يشعر بأن جهده غير مرئي.
- التحيز والمحاباة: وهي ممارسات تضرب العدالة الداخلية وتفتت روح الفريق.
وقد أشار 47% ممن غادروا أعمالهم خلال العام المنصرم إلى أن السبب الحقيقي يكمن في عدم قدرتهم على تحمل أسلوب الإدارة المباشرة وسلوكياتها الضاغطة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي.
السياق العام: لماذا الآن؟
يمكن فهم هذا التحول في سياق التغيرات العالمية التي طرأت على بيئات العمل، خاصة بعد جائحة كورونا، حيث زاد وعي الموظفين بأهمية الصحة النفسية والتوازن بين الحياة والعمل. لم يعد الموظف يقبل بأن يكون مجرد ترس في آلة، بل يبحث عن بيئة داعمة وتوجيه مستمر. وتشير الأبحاث المتخصصة إلى أن المدير المباشر مسؤول عن تفسير ما نسبته 70% من التباين في مستوى ارتباط الموظفين بأعمالهم، مما يجعله المحرك الأول للالتزام.
التأثير الاقتصادي على المنظمات
من منظور اقتصادي، تعتبر مغادرة الموظفين بسبب سوء الإدارة نزيفاً للموارد المالية للمنظمة. فتكلفة استبدال الموظف، وتدريب البديل، والوقت الضائع حتى الوصول للكفاءة المطلوبة، تفوق بكثير تكلفة الاستثمار في تدريب المديرين وتحسين بيئة العمل. وقد أكد 90% من المستقيلين أن مديرهم المباشر لعب دوراً رئيساً ومباشراً في اتخاذهم قرار الرحيل النهائي، مما يعني أن الاستقالة هي في الغالب هروب من شخص وليست هروباً من مؤسسة.
نحو بيئة عمل مستدامة
في المقابل، يرتكز المدير الجيد على بناء الثقة عبر التفويض الذكي والاستثمار في التطوير المهني لفريقه. واختتمت الدكتورة ميرة حديثها بالتأكيد على ضرورة أن تعيد المنظمات الباحثة عن الاستدامة النظر في معايير اختيار قادتها، بحيث يتم الاختيار بناءً على السلوك القيادي والقدرة على الاحتفاظ بالفريق، وليس فقط بناءً على النتائج الرقمية المجردة.



