مسرحية تكلم حتى أراك تمثل السعودية عالمياً بألمانيا

استضافت جمعية الثقافة والفنون بالدمام العرض المسرحي المميز مسرحية تكلم حتى أراك، من إنتاج فرقة “بروسينيوم” المسرحية، وذلك قبيل مغادرة طاقم العمل إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية. ويأتي هذا العرض الخاص كخطوة تحضيرية هامة قبل المشاركة الرسمية في مهرجان مسرح العالم المقام في مدينة كمنيتس الألمانية خلال الأسبوع المقبل. ويمثل هذا العمل الفني الاستثنائي الحضور الخليجي والعربي الوحيد في هذا المحفل الدولي المرموق، مما يعكس القفزة النوعية التي تشهدها الحركة المسرحية في المملكة العربية السعودية.
رحلة إبداعية من الدمام إلى المسارح العالمية
العمل من تأليف وإخراج الدكتور يوسف أحمد الحربي، ويضم نخبة من المواهب السعودية الشابة في التمثيل، وهم: محمد المطوع، وسوسن آل إدريس، وجواد الصايغ، ومهدي المرهون، ومحمد المرزوق، وحوراء الهزيم، بمرافقة الموسيقى والمؤثرات الصوتية المبدعة لعبد العزيز الأسود. ولم تكن هذه المشاركة العالمية وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لمسيرة حافلة بالنجاحات المحلية؛ حيث شاركت المسرحية سابقاً في مهرجان إثراء للمسرح، وحصدت ثلاث جوائز كبرى هي: جائزة أفضل عرض متكامل، وأفضل تهيئة نص، وأفضل ممثلة دور أول. كما نالت جائزة أفضل ممثل دور ثانٍ في مهرجان الرياض المسرحي، مما أكد قيمتها الفنية العالية وجاهزيتها للمنافسة الدولية.
فلسفة العرض: تداخل الرمزية والعبثية في مسرحية تكلم حتى أراك
تدور أحداث المسرحية في فضاء درامي غامض يمزج بين سكة قطار موحشة وغابة مظلمة، حيث تعيش مجموعة من فاقدي البصر في حالة من التيه والضياع. يعتمد هؤلاء العميان على التخمين والأصوات لفهم العالم المحيط بهم، حتى يظهر شخص غامض يُدعى “الأعمى القطار” الذي يقدم نفسه كمرشد ومنقذ لهم. يتبعه الجميع بدافع الأمل في الخلاص، لكن الرحلة تنتهي بمصير مأساوي عندما يكتشفون أن دليلهم المزعوم لم يكن سوى سبب هلاكهم، لتتجلى حقيقة قاسية بأنهم كانوا يبحثون عن منقذ وهمي في عالم لا يرحم.
تنتمي المسرحية إلى مسرح الرمز والعبث، حيث يتم توظيف الرموز العميقة للكشف عن العوالم الباطنية والوجودية للإنسان. وتستعير من المسرح العبثي بنيته القائمة على التفكك وتكرار الحوارات لتعزيز الشعور باللاجدوى. أما إخراجياً، فيعتمد العرض على رؤية بصرية تجريدية مكثفة، تقتصد في العناصر الواقعية وتستند بقوة إلى الإضاءة، والمؤثرات الصوتية، والتعبير الجسدي للممثلين لتكريس الإحساس بالزمن والمكان.
الأبعاد الثقافية والتأثير المتوقع للمسرح السعودي دولياً
تعيش الحركة الثقافية والمسرحية في المملكة العربية السعودية عصراً ذهبياً غير مسبوق تحت مظلة رؤية السعودية 2030، والتي تولي قطاع المسرح والفنون الأدائية اهتماماً بالغاً باعتباره جسراً للتواصل الثقافي والحضاري مع العالم. تاريخياً، مر المسرح السعودي بمراحل متعددة من التأسيس والجهود الذاتية، واليوم يقطف ثمار هذا التمكين الحكومي والدعم المؤسسي من خلال الوصول إلى منصات عالمية كبرى مثل مهرجان مسرح العالم في ألمانيا.
إن مشاركة هذا العمل كتمثيل وحيد للدول العربية والخليجية يحمل دلالات هامة على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ فهو يسهم في تقديم الفن السعودي المعاصر برؤية فلسفية ناضجة قادرة على محاكاة القضايا الإنسانية المشتركة وتفكيك الصورة النمطية. ولا تقتصر طموحات العمل على ألمانيا فقط، بل تمتد لتشمل جولة عربية ودولية مرتقبة، حيث من المقرر مشاركة المسرحية في مهرجان صيف الزرقاء المسرحي بالأردن خلال شهر سبتمبر، ومهرجان الفضاءات المختلفة في جمهورية مصر العربية خلال شهر نوفمبر، مما يرسخ الحضور المتنامي للمسرح السعودي على الخارطة الثقافية العالمية.



