رئيس كوريا الجنوبية يدرس الاعتذار لبيونج يانج وقضية الغواصات النووية

في تصريحات مفاجئة قد تعيد رسم ملامح السياسة الخارجية في شرق آسيا، كشف رئيس كوريا الجنوبية، لي جاي ميونج، عن صراع داخلي يعيشه بشأن تقديم اعتذار رسمي إلى الجارة الشمالية. وتأتي هذه التصريحات في سياق محاولات لتهدئة التوترات المتصاعدة التي خلفتها سياسات سلفه، الرئيس السابق يون سوك يول، خاصة فيما يتعلق بالعمليات العسكرية والاستخباراتية عبر الحدود.
معضلة الاعتذار والتوترات الحدودية
قال الرئيس لي جاي ميونج، خلال مؤتمر صحفي عُقد بمناسبة مرور عام على الأحداث المضطربة التي شهدتها البلاد إبان إعلان الرئيس السابق الأحكام العرفية: "أشعر بأن عليّ تقديم اعتذار، لكني أتردد في قول ذلك بصوت عالٍ". ويستند هذا الشعور إلى الأوامر التي أصدرتها الإدارة السابقة بإرسال طائرات مسيّرة ومنشورات دعائية إلى كوريا الشمالية، وهي خطوات لطالما اعتبرتها بيونج يانج استفزازاً خطيراً وانتهاكاً لسيادتها.
وأضاف الرئيس الكوري الجنوبي موضحاً مخاوفه السياسية: "أخشى أنه إذا فعلت ذلك، قد يُستخدم في المعارك الأيديولوجية الداخلية، أو لاتهامي بأني مؤيد للشمال". تعكس هذه المخاوف الانقسام السياسي الحاد في كوريا الجنوبية، حيث غالباً ما يُستخدم ملف العلاقات مع الشمال كورقة ضغط سياسية بين المحافظين والليبراليين، مما يجعل أي خطوة نحو التهدئة محفوفة بالمخاطر السياسية.
خلفية الصراع: حرب المنشورات والمسيّرات
تعد قضية إرسال المنشورات الدعائية عبر الحدود واحدة من أكثر النقاط سخونة في العلاقات بين الكوريتين منذ عقود. تاريخياً، استخدم النشطاء في الجنوب البالونات لإرسال معلومات وأموال وأقراص تخزين (USB) إلى الشمال، مما يثير غضب نظام بيونج يانج الذي يرى في ذلك تهديداً لاستقراره الداخلي وحرباً نفسية. وقد أدى تصعيد هذه العمليات، بالإضافة إلى استخدام الطائرات المسيّرة في عهد الإدارة السابقة، إلى وصول العلاقات إلى أدنى مستوياتها، مما زاد من مخاطر اندلاع مواجهة عسكرية غير محسوبة.
عقبات أمام الطموح النووي
وفي سياق آخر يتعلق بالقدرات الدفاعية، تطرق الرئيس لي جاي ميونج إلى ملف الغواصات النووية، وهو موضوع يحظى باهتمام كبير في الأوساط العسكرية الكورية الجنوبية لمواجهة التهديدات البحرية المتزايدة. وأوضح الرئيس أن طموح سول لامتلاك غواصات نووية يواجه عقبات واقعية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالتعاون مع الولايات المتحدة.
وقال الرئيس: "من وجهة نظرنا، فإن إنتاج الغواصات النووية في الولايات المتحدة بموجب اتفاق مع واشنطن أمر صعب جداً من الناحية الواقعية". ويشير هذا التصريح إلى التعقيدات المرتبطة باتفاقيات التعاون النووي بين البلدين (اتفاقية 123)، التي تفرض قيوداً صارمة على كوريا الجنوبية فيما يخص تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، وهي تقنيات أساسية لتشغيل الغواصات النووية. وتخشى واشنطن من أن يؤدي السماح لسول بامتلاك هذه التقنيات إلى سباق تسلح نووي في المنطقة، مما يجعل الطريق أمام كوريا الجنوبية لامتلاك هذا النوع من السلاح الاستراتيجي طويلاً ومعقداً.
التداعيات الإقليمية المتوقعة
تأتي هذه التصريحات في وقت حساس تمر فيه منطقة المحيطين الهندي والهادئ بتغيرات جيوسياسية متسارعة. إن رغبة الرئيس الحالي في تخفيف حدة التوتر مع الشمال قد تفتح الباب أمام استئناف الحوار الدبلوماسي المتعثر، لكنها في الوقت نفسه قد تثير حفيظة الحلفاء المتشددين وتواجه معارضة داخلية شرسة. يبقى السؤال المطروح: هل يتمكن لي جاي ميونج من الموازنة بين ضرورات الأمن القومي والرغبة في السلام، أم أن إرث الصراع الأيديولوجي سيظل العائق الأكبر أمام أي تقارب حقيقي؟



